

بغداد – الزمان
تتوالى إصدارات السرد العراقي في الفضاء الرقمي بإعلان صدور المجموعة القصصية الجديدة للأديب العراقي باقر صاحب، الموسومة «كوميديا الفصول الخمسة – مئة قصة قصيرة جداً»، في نسخة إلكترونية أتاحها متجر «نيل وفرات» للكتب من بيروت لعام 2026، بينما تولّت دار مسامير للطباعة والنشر في السماوة الإخراج الفني للعمل، في خطوة تجمع بين النشر التقليدي والانتشار الرقمي الذي بات يستوعب جمهور القراءة العربي المتنقل بين الشاشة والورق.
ويأتي الكتاب بوصفه المحطة التاسعة في تجربة الكاتب، إذ يضيف إلى رصيده أربع مجموعات شعرية وأربع مجموعات قصصية وكتاباً نقدياً، وهو مسار يكشف انتقال صاحب بين الأنواع الأدبية لا بوصفه تنقلاً شكلياً، بل محاولة دائمة لاختبار اللغة في أكثر أشكالها اختزالاً. وقد أعلن المؤلف توافر العمل للبيع عبر موقع «نيل وفرات»، الذي يقدّم نفسه باعتباره من أكبر متاجر الكتب العربية الإلكترونية والورقية، وهو خيار ينسجم مع طبيعة الفن الذي يكتبه، إذ يولد غالباً في فضاءات القراءة السريعة.
ويتخذ الكتاب من «القصة القصيرة جداً» مجالاً له، وهو جنس سردي يقترب من «الومضة» و«الشذرة» الشعريتين، حيث يقوم على التكثيف الحاد والاقتصاد اللغوي، إذ قد لا تتجاوز بعض النصوص عدد كلمات يمكن عده على أصابع اليدين. ويعتمد هذا الفن على المفارقة بوصفها خاتمة دلالية، تتوج النص وتعيد تأويل بدايته، وهو ما يفسر انجذاب القراء إليه في عصر الإيقاع السريع ووسائط التواصل.
وتتنوع ثيمات المجموعة بين الذاتي والاجتماعي والعاطفي وأسئلة الوجود الكبرى مثل الحياة والموت، إضافة إلى القيم الأخلاقية كالوفاء والخيانة، في محاولة لتجنب التكرار والنمطية. وتجاور هذه الموضوعات جميع الأجناس الأدبية الأخرى، إذ تلامس الشعر في لغته، والمسرح في مفارقاته، والحكاية الشعبية في بساطة بنائه.
ويظهر في النصوص ملمحان متجاوران: التراجيديا والكوميديا، وهو ما يفسر اختيار العنوان «كوميديا الفصول الخمسة»، حيث تتقاطع الضحكة مع الألم في نهاية واحدة غالباً، فيما تحضر الفنتازيا بوصفها عنصراً ثالثاً يوسّع أفق القراءة ويحوّل الحدث البسيط إلى دلالة رمزية. ويشير الكاتب إلى أنه يكتب في هذا الفن منذ نحو عقد، واصفاً إياه بـ«السهل الممتنع»، أي النص الذي يبدو بسيطاً لكنه يتطلب مهارة عالية في ضبط الإيقاع والمعنى.
وفي سياق القراءة العربية المعاصرة، تبدو القصة القصيرة جداً أحد أكثر الأجناس ملاءمة للبيئة الرقمية؛ إذ تنتشر نصوصها على نطاق واسع في منصات القراءة والهواتف. وقد كتب قراء في تدوينات متداولة أن هذا الشكل «نص يلائم دقيقة الانتظار في الحافلة»، فيما رأى آخرون أنه «قصيدة متخفية في هيئة حكاية»، وهي أوصاف تعكس تحوّل الذائقة الأدبية باتجاه النص الخاطف.
ويقدم الكتاب تعريفاً موجزاً بهذا الفن واستشرافاً لمستقبله، في ظل توسع القراءة الإلكترونية وتقلص زمن التلقي، حيث تتجه السرديات الحديثة إلى الاختزال لا بوصفه نقصاً، بل تقنية جمالية جديدة تعيد تشكيل علاقة القارئ بالنص.



















