الـجذور
يادار خلي لنا الذكرى
يلمس الكثير منا فتور العلاقات والصلات بين العوائل وفقدان الكثير من الأخلاقيات والتقاليد الأجتماعية التي كُنا نَنعم بدفئها داخل بيوتنا الشرقية عموماً والعراقية خصوصاَ . بل تطورت الحالة لنجدها تَعم مجتمعاتنا. فالكثير من المبادئ والأصول صارت في خبر كان بعد دخول البلدان فيما يسمى بالربيع العربي هذه الثورة التي حملت ما يُعرف بالتغيير .
لكن هذا التغيير كان على حساب سقوط الكثير من المبادئ والمُثل والأخلاق التي كنا نتحلى بها، ورفع شعارات وهتافات فارغة وبعيدة كل البعد عن التطبيق، بمعنى أصبحنا نجيد لغة الكلام والتعبير لكن على أرض الواقع نجد أنفسنا لا نمتلك الكثير من تطبيقاتها فعلى الصعيد الأجتماعي فقدنا الكثير من علاقاتنا الأسرية الأخلاقيه التي كانت في الزمن البعيد ميزة من ميزات المجتمعات الشرقية المحافظة عليها وتَساؤول يفرض حضوره ..
أين الترابط الأسري اليوم ؟! أين الأحترام الذي كُنا نجله ؟! أين المبدئية في الحوار والسلوك والموقف .. أين مكانة الكبير بيننا وأحترامه وقدسية قوله …
أنا أبحث اليوم بل أشتاق للكثير منها فنحن نقف على أطلال أخلاقياتنا لنعيش زمن العولمة و المصالح و مبدأ (أعطيني و لا تأخذ مني) .
من هنا كان دلوي يدلو بقصة حقيقية تعبقت فيها نسمات الماضي الذي أتمنى أن يكون نهراً يجري ننهلُ من بين طيات أوراقه بل سطوره بِعبّره من حكاية لمواطن عراقي .
فــ (ياسر موحان عبد الله الرمان) فلاح (مُزارع) توفى والدهِ وهو صغير له أخ وحيد حصادهُ من الحياة كان بحصةٍ من أرض ورثها من والـدهِ ورزقهُ الله ستةِ أولاد أتخذَ من أسماء الأنبياء اسماءً لهم ( فالكبير يوسف وولده الثاني يعقوب ثم أيوب ويونس وسليمان فداوّد) عملَّ في أرضهِ بكـدٍ وتعب .. حرثَ وزرع َ.. عَرقَ وسهرَ وجنى حصـادهِ يوماً بعـد يوم فالأرض الصغيرة باتت أرض خضراء مترامية الأطراف وصغاره صاروا رجالاً يؤازروه في الشدّة والرخاء وفي الحرث و لزرع والرعاية والحصاد .
ورغمَ أنهُ رجل لَم ينل من التعليم الحظ الوفير (فهو يقرأ ويكتب) إلا أنه بفطرته أستطاع أن يدير أعماله وبيتهِ ببراعة متناهية فقد قَـسم الأعمال بين أولاده .. فَأَمسكَ أحدِهم إدارة العمل والمتابعة وآخر أمسكهُ المال ومتابعة التسهيلات المصرفية وثالث أولاه متابعة أحتياجات الزراعة من أسمدة و مبيدات وبذور وغيرها ، وآخر جعله مسؤولاً عن الأليات الزراعية من (تركتر الى الشفل أو الحفاره) وما تحتاجه الزراعة من الأليات وصيانتها والآخران حَملهُما مسؤولية التسويق والترويج والتوزيع على المجمعات الخاصة بأبتياع المحاصيل الزراعية .
فَيسر الله له العقل ورجاحة الفكر والألتزام العالي وبراعة التخطيط .
وفي مجلسهِ يكون أولاده في أنتظاره حين يجتمعون كل ليلة للتسامر والحديث فعند دخوله الكل يقف أحتراماً لدخلتهِ و لا يجلسون إلا بعد جلوسه ولا يقاطعوه الحديث ويستأنسوا برأيه و كلمته لها صدى وقبول في نفوسهم ، وزوجهم وأجلسهم في بيوت حولـهِ في أرضهم.
كان مثـالاً بالعـلاقه الأجتماعية ولّمّ الأسرة و صوابة الرأي وطول البال على مشاكل أهله وعشيرته .
وكان لزوجتهِ دور في مساعدتهِ وتربية أولاده تربية صالحة يقدرون الأم ويعرفون أن الجنة برضاها ..
كان يشتري قطع الأراضي و يسجلها بأسم أولادهِ بالتساوي و برضى الجميع , كان الأحترام ركيزة هذا البيت العامر بأهلهِ ولَمة الأسرة على مائدةِ الطعام تَـنعم بدفئ التكاتف والتعاون فالجميع يشتركون في قدرِ واحد رغم توسع عدد أفراد الأسرة وتزايدهم وحين تزورهم تعرف الكرم الحقيقي للعائلة العراقية . وجلستهم لا تَمـلُ منها والحديث فيها لا يخلو من الحِكم والأمثال والأشعار و آخر الأخبار و أطفالهم يدورون بالماء والشاي بين الحين والحين (ياسر موحان عبدالله الرمان) رجل بسيط أستطاع ان ينجح في قيادة أسرة كبيرة بحكمته الفطرية ورجاحة عقله..
أين نحن من كل هذا في المدينة ؟ !
لقد أسهَمتْ المواقع الألكترونية والتقدم التكنولوجي بنشر أدب رديء ضاع بين طياتهِ أدب حقيقي راق وتقطع لَمّ الأسرة فيه وكل فرد أصبح يعيش في عالمهِ الخاص الواحد لا يعرف الأخر . سقف يـلم تحتهِ أشلاء عائلة .. تحضرني أبيات لشاعر عراقي (طالب مصطفى السليم) يقول فيها :
يا دار قلبي خلا من ساحةِ الأملُ
لمّـا تنـاثـرَعهـدً كـان يُـؤتَمـلُ
أفنى لوصلهِ من أيامي أجملَها
دهراً فكان خداعاً جاءهُ الزللُ
يا دار خلّي لنا الذكرى نُسائِلها
هــلا سَنُـوقـفُـهـا و تُـمتـحــنُ
حذام اسماعيل العبادي – بغداد