الغريب

الغريب

 منذ نشأته وهو مختلف عن أخوته الثمانية وكل أبناء قريته لم يعمل بالزراعة وتربية النحل والمواشي وما يفعلهُ والدهُ والآخرون حيث كان المدلل عند والده وصاحب الحظوة عند أمّه وإخوته والجميع

ولانه مختلف تعلّم القرآن وصار يعلمه للأطفال في بيوت الله مما حبب أهل قريته فيه اكثر وذاع صيته بين الناس.

كان حلمه أن يرحل للعاصمة.. حلم ظل يساوره ويتوق إلى تحقيقه ولكن شروط الوالد تسير على الجميع فكان لزاما عليه البقاء مع أهله وإتّباع أساليبهم في العيش حاله حال كل من على تلك الارض وما إن توفي والده.

هجر تلك القرية وعشيرته التي كانت تسد عين الشمس ليرحل وحيداً إلى العاصمة حيث الحلم

حزن كل شيء في تلك الأرض الأهل …الصحبة…سنابل الشمس والجبال التي أخذَ من صلابتها وشموخها الكثير وبقيّ الجميع ينتظر ذلك الشاب اليافع عسى أن يعود ولِطول غيابه صار الجميع عندما يذكرونه ينعتوه بالغريب

أما أمّه وبعد فقدانها للأمل برجوعه بدأت تهجر قصص الخرافات العتيقة وصارت تروي للصغار من أحفادها كل ليلة حكاية إبنها الغريب وعندما تنتهي القصة تبدأ تغني بصوت شجي عنه بصحبة دموع تحرق وجنتيها وهي تهدهد الاطفال على ساقيها المتعبتي. تخبط الغريب الذي لا يجيد لغة المدينة هنا وهناك.

ولأنها كانت تحتضن الجميع لم يعاني كثيرا من فرق اللغة ولم يعان الغربة ….حيث كان الوطن واحداً حتى درس والتحق بالجيش وتسلق مناصب وخسرها بعقوبات لم يستحقها لانه وبكل بساطة كان انسان ..

كانت رحلته طويلة ومليئة بالتعب والمعوّقات لكنه صمد وناضل حتى تزوج بفتاة بنت عائلة معروفة من تلك المدينة ليزور أهله للمرة الاولى منذ رحيله ليخبرهم إنه تزوج وصار له بيت وعائلة هناك ولأنهم لم يشاءوا ان يخسروه مرة اخرى باركوا له حياته هناك وأستسلموا للأمر الواقع وصاروا يتزاورون فيما بينهم لتستمر رحلة العمر وبعد عمر ناهز السبعين ولِأسباب كُثر عاد إلى الأرض الأم .

وبالرغم من كل المغريات التي كانت على تلك الأرض من أهل وطبيعة وأمان إلا انه عانى الأمرين لِفراق فلذات كبده الخمسة اللاتي تزوجن هناك حيث مدينة الحلم ولفيض حنينه وكبتْ ما يجول بنفسه بدأت تنهش جسمه الأمراض وثورات من الألم

قاوم كثيرا وتحمل شتى أنواع الوجع وكان صراعه مع المرض يشبه حروب التاريخ العُظمى

تحدى الموت مرة وهزمه مرات ولم تزره مشاعر اليأس حيث مات كل شيء في جسده إالا انفاسه بقيت تنتظر الغائبين

حتى إنه في أشد حروب البقاء كان يرفع ابهام يده ليطلق كلمته وبصوت متعب وبعد ارتعاشة شفاهه انا ok وكأنه لا يريد ان يَلمحْ من حوله دنوَ هزيمته حتى حانت لحظة الرحيل ..سقطت رايته وتَرجّل من فرس الحياة لتعضّ يداه الأرض معلنة ساعة انسلاخ الروح من الجسد.

غادر بنظرة من عيونه الجاحضتين

رايته وتَرجّل من فرس الحياة لتعضّ يداه الأرض معلنة ساعة انسلاخ الروح من الجسد.

غادر بنظرة من عيونه الجاحضتين

جهل كل من حوله تفسيرها ..

توقفت أنفاسه إلا عيونه أبتْ أن تغمض إلا أن.

توصي الحاضرين بتلك الغريبات الكبيرة صديقة العمر….التالية كماأسماها ليرته الذهب

…الوسطى الذي كان يناديها الابهر …شقراوته الجميلة اما أخر العنقود فكانت نظرته توصي لها بالكثير الكثير.

حينها أسدل جفنيه لينهي فصول رواية غربة وألم…خرائط وتواريخ….عسكر وإنضباط…جروح وأنين لتحلق روحه كفراشه لا توقفها حواجز او مسافات لتتطل على حبيباته هذه ليلة وعلى تلك نهار لتمشّط جدايل هذه وترقي جسد تلك من أوجاع تعوّدتْ على بصمات يده ومثلما كانت حياته صاخبة بالأحداث كانت جنازته صاخبة بالدموع الصادقة والدعاء النابع من القلب

حتى الجبال البعيدة وقفت ذاهلة من هول الحدث وهي تسأل الجبال القريبة وتلك التلة التي رقد فيها جسدهُ النحيل ما هذا الصخب ولِمن هذا الموكب الفخم ؟

لتخبرها إنها لذلك الغريب.

حنان الامين – بغداد