العرب و التغيير المطلوب‮ ‬- مقالات – سامي‮ ‬الزبيدي

العرب و التغيير المطلوب – مقالات – سامي الزبيدي

العالم من حولنا يتحرك وحركته مستمرة ومن خلال حركته تغيرت العديد من النظريات والمفاهيم والقوانين  والسياسات والايدلوجيات كما تغيرت خارطة هذا العالم مرات عديدة ،امبراطوريات سادت ثم بادت دول كانت كبرى سيطرت على مناطق واسعة من هذا العالم وأخضعت العديد من الدول لحكمها ونفوذها ثم زال نفوذ هذه الدول  بظهور دول أخرى أقوى منها ،شعوب كانت متخلفة انتقلت من حياة التخلف والبؤس والغزو والصراعات إلى حياة التمدن والتقدم والتطور ،ثورات صناعية واقتصادية واجتماعية وسياسية غيرت الكثير من المفاهيم والنظريات السياسية والاقتصادية والاجتماعية ونظم الحياة في هذا العالم ،ثورات وقفزات كبرى في التكنولوجيا والعلوم والاكتشافات الحديثة في جميع المجالات العلمية والطبية والصناعية والزراعية والاقتصادية والتجارية والفنية والأدبية انعكست بشكل ايجابي على الحياة الاجتماعية لدول العالم المختلفة ،اكتشافات طالت الفضاء والأجرام السماوية،ثورات كبرى في مجال نظم الحاسبات ومنظومات الاتصالات والانترنيت وشبكات التواصل جعلت من هذا العالم الواسع قرية صغيرة فما يحدث في أية منطقة نائية في أقصى هذا العالم يصل إلى كل العالم في ثواني بالصورة والصوت ،تطور كبير في الزراعة وفي تهجين فواكه وخضروات وحبوب عالية الإنتاجية والجودة وتطور هائل في المكننة الزراعية ،تطور مضطرد يفوق الخيال في مجال الصناعات المختلفة  الطائرات ،السيارات ،الآلات ،المكائن ،المركبات الفضائية ،الأثاث ،الألبسة ،التجهيزات المنزلية ،الأجهزة الدقيقة ،الصناعات الغذائية،المعامل والمصانع الإنتاجية ،تطور لا حدود له في الصناعات الحربية والتجهيزات العسكرية ،أسلحة ومعدات وتجهيزات حيرت العالم ،طائرات لا يمكن للرادارات المتطورة  كشفها وأخرى بدون طيار تقلع وتقطع مئات الكيلومترات وتصور وتقصف وتهبط بنظام تحكم عن بعد ،دبابات ومدرعات لا يخترقها أي صاروخ أو مقذوف ،أسلحة ومقذوفات تعمل بالليزر،طائرات سمتيه مدرعة تتمكن من معالجة عدة أهداف في آن واحد ،صواريخ تصيب أهدافها بدقة متناهية على بعد آلاف الكيلومترات،قنابل وصواريخ ذكية لاتخطئ أهدافها،قنابل نووية وهيدروجينية بإمكانها تدمير هذا العالم الكبير خلال ثواني،أسلحة برية وبحرية وجوية لاحصر لها تجهيزات عسكرية فاقت حدود التصور،تطور هائل في الطب قضى على العديد من الأمراض التي كانت مستعصية وأكتشف ما يحد من غيرها ،عمليات جراحية وصناعات طبية أعادة الأمل والحياة لملايين المرضى ،صناعات دوائية وعلاجية تحدت الأمراض الفتاكة ،تطور يفوق التصور في الأجهزة الطبية ،تطور في عمليات البناء والأعمار والتصاميم الهندسية للأبراج والعمارات والمجمعات السكنية وتصاميم حديثة للمدن تطور كبير في الطرق البرية وسكك الحديد والأنفاق والمترو اختصرت المسافات والوقت بشكل لا يصدق ،ترى كيف حدث هذا ؟ كيف حصلت كل هذه الثورات الصناعية والعلمية والتكنولوجية ؟ وكيف حصل هذا التطور الكبير وهذه التغييرات الهائلة في حياة الكائنات الحية (البشر والحيوان والنبات ) وغير الحية والجواب بسيط حصل كل هذا بعد أن تحرر العقل البشري من كل أدران الماضي ومن كل القيود التي كانت تكبله،أي بعد الثورات الأوربية الكبرى وأهمها الثورة الفرنسية عام 1789  التي من خلالها أبعدت الكنيسة والسلطة الدينية التي كانت تهيمن على المجتمع وعن الحياة العامة وعلى الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية لدول أوربا فجاءت هذه الثورات الكبرى لتضع القوانين والدساتير التي تنظم الحياة السياسية والاجتماعية لتلك البلدان بعيداً عن سيطرة الكنيسة بعد أن كانت الكنيسة هي الآمر والناهي في كل شيء حتى العلم كان مقيداً بقيد الكنيسة (قيد الدين) فكانت الكنيسة هي من تسمح لهذا العالم والمخترع بالعمل وتمنع ذاك وهي التي تضع القوانين وتطبقها وهي التي بيدها كل السلطات التشريعية والتنفيذية وهي التي توافق على تعيين الملوك والأمراء والقادة وتعزلهم عندما يحيدون عن خطها وهي التي تقتل وتعدم وتعفو وتعين وتقصي كيفما يحلو لها وترجع كل هذه الأمور إلى الدين فهو الفيصل في كل أمور العباد والبلاد والدين براء من هذا كله لان قيم الدين وقوانين السماء أبعد من أن تسئ للناس وتعاقب بالموت على أتفه الأسباب وأن تحتكر كل أمور الناس والدولة بمفاهيم بالية وأفكار ظلاميه وقوانين جائرة ،وبقيت الأحوال على هذا المنوال في أوربا حتى قيام تلك الثورات العظيمة وفي مقدمتها الثورة الفرنسية التي حررت الإنسان أولاً من خلال إلغاء دور الكنيسة وسطوتها على الحياة السياسية والاجتماعية وحلت محلها الدولة الديمقراطية الحديثة بقوانينها ودستورها وأنظمتها التي منحت  الشعب حرية الفكر والرأي والعقيدة والأهم من هذا حرية انتخاب من يمثل الشعب في السلطتين التشريعية والتنفيذية بانتخابات حرة نزيهة وحرية إقالة هذا الممثل إذا حاد عن الطريق وبهذه الثورات العظيمة وبهذا التغيير الجوهري في نظم الحياة العامة وسياسات الحكم وبالأنظمة الديمقراطية التي جاءت بها فتحت الأبواب مشرعة واسعة أمام حركة الناس والمجتمع نحو آفاق العلم والتطور والتقدم في جميع مجالات الحياة السياسية والاجتماعية والتعليمية والصحية والقضائية والقانونية والعلمية والصناعية والزراعية والتجارية والعسكرية والتكنولوجية والفنية والأدبية فشهدت بلدان أوربا نهضة عظيمة غيرت حياة الناس والمجتمعات ليس في أوربا حسب بل في العالم بأسره .

وبعد هذا التغيير الكبير الذي حدث في أوربا وامتد تأثيره إلى دول العالم المختلفة والذي تغيرت من خلاله العديد من المفاهيم الدينية والاجتماعية والسياسية وشذبت وعدلت الكثير من الأنظمة والقوانين وتطورت نظريات و أنظمة الحكم وجرى الفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية وكتبت الدساتير الحديثة التي تنظم هذه السلطات وحددت حقوق المواطنين وواجباتهم وأْبعد الدين عن السياسة وأصبح الدين مسألة روحانية شخصية لاعلاقة له بسياسات الحكومة الخارجية والداخلية وبرامجها التنموية وقوانينها وأنظمتها وطريقة قيادتها للدولة والمجتمع ،حدث كل هذا في أوربا والعديد من بلدان العالم إلا في عالمنا العربي والإسلامي الذي بقي يجتر حوادث الماضي ويفتخر بانجازات أسلافه التي عفا عليها الزمن بل وينقل خلافات الأسلاف قبل أكثر من ألف واربعمئة عام ليؤججها ويحولها إلى صراع مذهبي وفقهي وسياسي في عصرنا الحالي ابتلى به العرب والمسلمون جميعاً مسبباً لهم الحروب والقتل واستباحة أعراض وأموال وأملاك إخوانهم في الدين تحت نظريات وأفكار تكفيرية لا يقرها ديننا الإسلامي الحنيف دين المحبة والرحمة والتعاون والتآزر والتكافل ،اصطنعها المنحرفون والمتطرفون والتكفيريون ووجدوا من يشجعهم ويساعدهم ويفتي لهم من أعداء الإسلام والمسلمين الذين اتخذوا من الإسلام شعاراً ومن التطرف والتكفير وسيلة لتهديم الإسلام والالتفاف على مبادئه السمحاء وقيمه الإنسانية المثلى ليحولوه إلى دين قتل وذبح وهدم وتخلف وتكفير وتفجير و سبي واغتصاب وعبودية ،فمن أين جاءتنا هذه الأفكار الظلامية التكفيرية ؟ وما هي العوامل التي ساعدت على ظهورها و انتشارها ؟ومن يقدم الدعم المادي والتسليحي واللوجستي لها ؟ أن الأجوبة على هذه الأسئلة يحتاج إلى مساحة كبيرة لكن باختصار شديد أقول إننا كعرب ومسلمين بخلافاتنا واختلافنا وتشرذمنا وجهلنا أوجدنا المناخ الملائم لهذه الأفكار والنظريات المتطرفة فهي جاءت من رحم العرب ومن بعض من يدعي الإسلام والإسلام منه براء بعد أن عميت بصيرته وبصره عن حقيقة الإسلام ومبادئه السمحاء فاقتفى أثر المحرفين والمنحرفين من السابقين والمعاصرين ممن وضعوا وأوضعوا أحاديث وفسروا آيات على هواهم ووفق عقلهم المريض أوهموا من خلالها بعض السذج والمتشددين إن هذه هي أصول الدين وثوابته وكفٌروا من لايؤمن بها من إخوانهم في الدين مستغلين الخلافات المذهبية والفقهية ساعدهم في ذلك الدوائر الصهيونية وبعض الدوائر الغربية التي وفرت لهم المال والإمكانيات والأجواء التي ساهمت في انتشار أفكارهم في العديد من البلدان العربية والإسلامية وحتى غير الإسلامية ثم مهدوا لهم الطريق للعمل المسلح في بعض الدول العربية التي تعاني صراعات طائفية ومذهبية بعد أن أمنوا الحواضن والأماكن اللازمة لعملهم ونشر أفكارهم ونظرياتهم والقيام بعملياتهم العسكرية المحدودة أول الأمر ثم قدموا لهم الدعم والإمكانيات والتسهيلات والأسلحة والمعدات والمعلومات للقيام بعمليات واسعة في بعض الأماكن التي تشهد صراعاً طائفياً أو عسكرياً في بلداننا العربية وكما حصل في العراق في الموصل وصلاح الدين وديالى والأنبار وكركوك عندما سيطر المتطرفون التكفيريون من داعش على هذه المناطق وفي سوريا في كوباني وريف دمشق وريف أدلب وحلب وحمص وفي ليبيا واليمن وفي سيناء في مصر العربية ،وهناك أماكن أخرى من بلادنا العربية والإسلامية يتم فيها تغذية الصراعات الدينية والطائفية والعرقية وهذه الصراعات قابلة للتوسع بمرور الوقت كما يحدث في الجزائر ومالي نيجيريا وأفغانــــستان وباكستان وغيرها .

  إن أهداف المتطرفين ونواياهم باتت واضحة للمتنورين والمثقفين والإسلاميين المعتدلين والعلماء في وطننا العربي وامتنا الإسلامية وأن أهداف المؤامرة الصهيونية الأمريكية الغربية ضد العرب والمسلمين المعتدلين كشفت عن خفايها وأهدافها الخبيثة خصوصاً بعد غزو العراق وليبيا وأحداث تونس ومصر وسوريا وأخيراً بعد تقديم العون المادي والتسليحي واللوجستي لما يسمى بالدولة الإسلامية في العراق وسوريا وتمكينها من احتلال مناطق واسعة في هاتين الدولتين تضم منابع للنفط الذي تم استغلاله وتهريبه وبيعه بأسعار زهيدة لتغرق السوق النفطية بفائض كبير من هذه الثروة أدت إلى هبوط أسعار النفط إلى أرقام قياسية تسببت في أزمات مالية في العديد من الدول المنتجة للنفط ، والأهم في كل ما يجري في منطقتنا العربية من هذا كله هو ضمان أمن للكيان الصهيوني وإبعاد أي خطر يهدد دولته من خلال اشغال الدول العربية التي لم توقع معاهدة سلام مع الكيان الصهيوني بالصراعات والحروب الداخلية كما يحصل في العراق وسوريا وليبيا وإشغال الدول التي يمكن أن تشكل تهديداً مستقبلياً للكيان الصهيوني بأحداث أمنية داخلية كما هو الحال في مصر واليمن والسودان ،فهل يدرك العرب والمسلمون حجم المؤامرة التي تحاك ضدهم وتهدد مستقبل شعوبهم وبلدانهم ؟ وهل اتعظ العرب والمسلمون بما جرى ويجري في العراق وسوريا ومصر واليمن وليبيا ؟ وهل فكر العرب بحلول سريعة تظمن ماء وجههم وتحفظ ثرواتهم وتقي أوطانهم وشعوبهم كوارث ومآسي أكبر مما يحدث الآن في العراق وسوريا وليبيا تؤدي إلى تقسيم بلدانهم إلى كانتونات صغيرة فقيرة لا حول ولا قوة لها تستنزفها الصراعات الداخلية والحروب الأهلية ؟ هل فكر العرب والمسلمون بذلك أم ما زالوا تحت تأثير المخدر الأمريكي الغربي الصهيوني؟ وإذا ما زالوا تحت تأثير هذا التخدير والسبات فمتى يصحون من غفوتهم وغفلتهم قبل فوات الآوان ؟ وما المطلوب منهم إزاء هذه المخاطر والتحديات التي تهدد وجودهم ؟ المطلوب ببساطة الانتباه إلى مخططات أمريكا وحلفائها الذين لا يفكرون إلا في مصالحهم فقط حتى وان احترق الآخرون بنيرانهم ونيران غيرهم ،المطلوب قراءة واستيعاب دروس العراق وسوريا وليبيا واليمن جيداً ومنع وصول الاقتتال و الحروب التي أحرقت تلك البلدان إلى ما تبقى من مراكز القوة العربية كمصر  والسودان والجزائر وتونس والدول العربية الأخرى،المطلوب التصدي للأفكار التكفيرية والمتطرفة التي تأجج الخلافات بين الأمة الواحدة والدين الواحد ،المطلوب إيقاف كل أشكال الدعم المادي والتسليحي للجماعات المتطرفة أو تقديم التسهيلات الأخرى كالعمل والمرور والتدريب والحضانة في أي بلد عربي ،المطلوب تبني حوار صريح وعقلاني بين جميع المذاهب الإسلامية لتقريب وجهات النظر وتحجيم الخلافات بينها وتشكيل هيئة إفتاء تضم جميع المذاهب والجماعات الإسلامية لتمحيص وتدقيق كل الفتاوى التي تصدر من هنا وهناك قبل أن تأخذ طريقها في التنفيذ والتصدي لكل ما من شأنه إحداث الخلافات أو تغذيتها بين جميع المذاهب الإسلامية ،المطلوب تهذيب وتشذيب الدين الإسلامي من كل الأدران التي لحقت به والتي أدخلها أعداء الدين للنيل من المسلمين وتفريق كلمتهم واذكاء الخلافات بينهم ،المطلوب وهو الأهم من كل هذا إبعاد الدين عن السياسة والحكم فللدين رجاله وعلماؤه ومشرعوه وأماكنه ومدارسه وجامعاته وللسياسة رجالها وقوانينها  وأنظمتها ومؤسساتها ومجالات عملها . وبغير ذلك لا يمكن أن تقوم لنا قائمة ولا يمكن للعرب والمسلمين نسيان حوادث الماضي التي تؤخر ولا تقدم ،وتفرق ولا توحد ،وتثير الضغائن والأحقاد ولا ترقق القلوب وتهدئ النفوس ،وبغير المنطق العقلاني والتفكير السليم وتغليب المصلحة العليا للأمة العربية ونبذ تسييس الدين والتطرف والتناحر والتخاصم والاقتتال لا يمكن للعرب أن يبنوا بلدانهم ويسعدوا شعوبهم ويلحقوا بركب الأمم المتطورة التي لا تملك ما يملك العرب من إمكانيات وثروات وأموال تكفي لبناء المعمورة كلها،وبغير ذلك لا يمكن للعرب  التفكير ببناء المستقبل المشرق لأجيالهم وشعوبهم وأوطانهم ( فلا يغير الله بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ).