العراق وعلاقاته العربية – مقالات – خالد محسن الروضان

khald

العراق وعلاقاته العربية – مقالات – خالد محسن الروضان

 كان للهجرة القبلية من الجزيرة العربية الى العراق اثر كبير في تقرير عروبته، تلك الهجرة التي استمرت طوال القرون السابقة حتى النصف الاول من القرن العشرين، حفظت عروبة العراق وبالتالي بقاؤه مركزا من مراكز الوعي القومي بسبب تغلب العنصر العربي وبقيت العلاقات البدوية هي السائدة في المجتمع العراقي (1) هذا ما نلمسه في الحياة السياسية في العراق ومواقفه من الدولة العثمانية والانكليز فيما بعد، اذ استفادت هذة القبائل من عجز الدولة العثمانية عن القيام بواجبات الدولة الاساسية واصبحت هي تزاول معظم الاعمال التي تزاولها الادارة المحلية، وبدت في كثير من الاحيان كأنها مؤسسات شبه رسمية بذاتها (2) ويعتبر حوض الفرات من جنوبي الفلوجة الى البصرة موقعا مهما ستراتيجياً بين الجزيرة والعراق اضافة الى احتوائها حشداً بشرياً كثيفاً، وقد شكلت بيئة خصبة للمشاكل التي واجهت الحملة البريطانية (مشكلة لواء المنتفك)، وكان ال السعدون متنفذين في المنطقة ايام الدولة العثمانية، ولما احتل الانكليز العراق ضربوا نفوذ ال السعدون ورفعوا الصف الثاني من رؤساء القبائل وتساهلوا معهم في جباية الضرائب وصرفوا لهم الاموال عن طريق اسناد الوظائف الادارية لهم كمدراء نواح او عن طريق اعتمادهم كممولين للحملة البريطانية من المواشي والبضائع، وكان الاسلوب الاداري المتبع في المنطقة خاصة والعراق عامة تعضيد سلطة الشيوخ الذي بلغ في بعض الاحيان الى تغليب نفوذ القبائل على نفوذ الحكومة، لقد تسببت الادارة البريطانية في عزل العراق عن الوطن العربي سواء كان ذلك من خلال البنية الادارية والقوانين المحلية ام من خلال تأجيج مسائل الحدود مع الجزيرة العربية او مع بلاد الشام، لهذا لم يعد الاتصال المرن الموجه بالوحدة القومية بين العراق والوطن العربي هو السمة السائدة، انما اصبح الاتصال الموجه بالاطماع السياسية والمصالح القطرية والمشورة البريطانية هو السائد، وفي هذة الحالة اصبح الغزو والقتل والنهب السمة السائدة، لقد نتج عن تأجيج الصراع على الحدود بين العراق والوطن العربي اغلاق الحدود الغربية والجنوبية بوجه ابناء الامة العربية، في حين كانت طبيعة الحدود الشرقية والشمالية مما يصعب تطبيق القوانين بشكل جعلها مفتوحة امام الهجرة ونستطيع من خلال نظرة بسيطة الى تصاعد ارقام الهجرة الايرانية والكردية منذ نشوء الحكم الوطني الى الان تأكيداً على صحة استنتاجنا هذا، ويضاف الى هذا ما نصت عليه المادة (2) من المعاهدة البريطانية بعدم جواز استخدام موظفين من تابعية غير عراقية الا بموافقة بريطانيا لتضع حق العرب في العراق رهن بموافقة بريطانيا على نفس المستوى من المهاجرين الايرانين والهنود، ولازلنا نعيش الاثار السلبية لهذه السياسات التي تستهدف عزل العراق عن الوطن العربي وطمس هويته العربية، فعندما التقت الاطماع السياسية والمصالح القطرية لدول (السعودية والخليج العربي) مع التوجه الاميركي في المنطقة دعمت هذة الدول العراق في حربه مع ايران (حرب الخليج الاولى) واعتبرت العراق حارس البوابة الشرقية للامة العربية، ولكن في حرب الخليج الثانية اختلفت واختلت الموازين فدفعت هذة الدول (السعودية ودول الخليج العربي) كل ماتملك الى قوات التحالف لضرب العراق والتخلص منه، حتى وصل ذلك ذروته بالاحتلال الانكلو اميركي للعراق عام 2003 حيث فرضت سياسة العزلة والقطيعة على العراق من قبل الدول العربية وبالاخص دول السعودية والخليج العربي، ويبرر ذلك الحكام الجدد في العراق بأن هذة الدول تخشى على نفسها من التجربة الديمقراطية المقامة في العراق الجديد، وتزايدت هذة المخاوف من تعاون الحكام الجدد للعراق مع ايران وتغليب العلاقة المغطاة بالطائفية والمصلحية الشخصية للاحزاب المتنفذة في حكم العراق، وعلى العكس من ذلك كانت ايران قد رجحت علاقتها على اساس المصلحة القومية فضلت العلاقات الدبلوماسية للعراق مع محيطه العربي متذبذبة، فهي علاقات غير مرنة وبعيدة عن الوحدة القومية بين العراق والوطن العربي، وطابعها الاطماع السياسية والمصالح القطرية والمشورة الانكلو امريكية وتأثيرات الاطماع التوسعية لدول ايران وتركيا.

حاشية

(1) مس بيل فصول من تاريخ العراق الحديث ص65-  ترجمة جعفر الخياط بيروت 1967

(2) عبد الرزق الحسني العراق قديماً وحديثاً ص154

(3) رجاء حسين الخطاب دراسة في تطور العلاقات العراقية البريطانية واثارها ص350

(4) الدكتور علي الوردي ، دراسة في طبيعة المجتمع العراقي ، بغداد1967