الطريق الطويل
قاسم المعمار
انها حكاية طفل لا يتجاوز عمره ثمان سنوات .. أواخر الخمسينات من القرن لماضي في طباعه الفطرية استهوائه مهنة منظف القمامة التي كان يمارسها العم “حميد” صاحب العربة الحديدية الصغيرة لجمع و نقل أزبال المحلة الى مقلع الحبيبية شرق بغداد حيث المساحة الشاسعة من تلال هذه الأنقاض و الفضلات ..
كانت ايام الجمع و العطل الرسمية بداية لممارسة هذا العمل سوية مع هذا الرجل المتعب حينما وافقة المشاركة بعد ان تلمس رأسه بخشونة يديه كي يكون على بينة من صلابة رغبته هذه و هو يؤمله النجاح و الاستمرار .. فيزداد فرحاً لهذا الإطراء حينها هب مجسداً عمق رغبته نحو مبعثرات من الأكياس الورقية والمخلفات كي يجمعها و يرميها في حوض العربة ..
وطيلة الطريق الطويل و يشعران بشيء من الظمأ والجوع فيهب العم حميد نحو جيب خلفي للعربة كي يخرج كسرة خبز قد جمعها ومسحها بيده السوداويتين ويمضغانها معاً مع شربة ماء في قارورتهما الطينية .. شمرة عصا من السير ونصل تل القمامة واذا به فجأة يصرخ بُنَيَّ لقد وصلنا . لقد وصلنا واخذ السرور يغمر الاثنين حينها وجدا امرأة غبراء عجوز تلوح لهما خلفها رجل دَبيُّ الجسم اسمر عث شعره مخيف لا يعرف سوى كلمة واحدة “الزم” والطفل لا يفهم ما يقال وصاحبه الكبير يبتسم بإجابته الذليلة ( الله يوفقكم عمي) ويداه تمتد لتسلم مجموعة فلاسين و عانات معدنية قليلة خصص لهذا الطفل بضعة فلوس منها لقاء عمله معه ..
عبر هذه المرات المتعددة استهوته لحظات المشاركة مع شلة في الصبية الباحثين المنقبين بين أكوام الازبال و المخلفات البيوت عن الصفائح المعدنية للزيوت النباتية ((الراعي)) والمشتقات النفطية من البانزين والدهون التي كانت تعبأ بهذه الصفائح ((التنك)) آنذاك وقعت عيناه على كيس ورقي حينما فتحه وجد داخله (قاط) شبابي وفي احد جيوبه ورقة تقول (البس هذا القاط تصبح كشخة ) ففرح به.. متجها نحو صاحبه الكبير الذي باركه على هذه اللقية الجميلة قائلا.. عندما نصل الى البيت اغتسل و مشط شعرك ورتب نفسك كي تلبس هذا (( وغدا تبقى في بيتكم فرحا و انت تجوب الشارع والذهاب الى المدرسة متبخترا امام زملائك .. سبحان الله مقاساته انظر ولدي انها قريبة من جسمك .. اذا استطعت (تقريمه) ..
كانت اجمل لحظات عمره حينما يصل هذه التلال من كنوز الفضلات للناس الشباع كي يسد بعضها من رمق جوعه بل قد يأتي ببعضها لأهله فرحاً ..
بقي على هذا المنوال أياماً طوالا للذهاب مع العم حميد وهو يعهد انتظاره مبكراً.. نعم مرت أيام خوالي وأهل المحلة يفتقدون مجيء زبالهم المعهود ((حميد)) حيث محبتهم تتحدد بمدى سرعة رفع قاذوراتهم وحين إبطائه هذا قد يمثل لهم كارثة بيئية لعوائلهم دون اكتراث أخلاقي او وازع ديني لما يصبه من إعياء او مرض مفاجئ .. لتطبيبه ومساعدته …في حين اخذ القلق يدب وسط كآبة نفسية أحس بها هذا الطفل الوديع وهو الباحث عن مسكن عمه “حميد” الذي لا يعرفه دون فائدة وإثناء تجواله صدفة يسمع احدهم يقول: (أي خطيه لكوه ميت بالخرابه) فعلا كانت صعقة ألمت به و الذي هب مستقرا .. عمي وين بيته .. يكولون هنالك في رابع فرع من محلتنا.. وحين وصوله لتلك الخربة كانت امرأة واقفة أمام دارها يغمرها حزن عميق وهي تولول .. راح المسكين مهضوم .. الله يرحمه .. وصيته الأخيرة .. أريد أشوف ابني وصديقي الصغير.. هنا تجشم الطفل بالبكاء وهو يصرخ خاله وين راح ..أجابته .. امي ..
البارحة دفنوه أهل الخير انته شصير منه .. وبدموع حارقة وصوت متلعثم خانق أجابها .. انا .. انا .. ابنه وصديقه الصغير .ثم راح يجر أزباله هويدا هويدا مستغفرا الله على إرادته .. ثم اخذ هذا الطفل بالانطواء تدريجيا حتى غدا بعيدا متعثرا بين قدميه في هوس متلاطم شارد الذهن لم يعد هناك مسند إليه او ربيب يحنو عليه ويحقق أمله الجميل كل شيء ضاع حتى اغفته حفرة سقط فيها دون دراية كي يفيق صباحاً من ذلك الكابوس وصوت أخيه المبحوح راح يرن في اذنيه … انهض .. انهض … لقد تأخرت عن الدوام …


















