
رافد جبوري – واشنطن
بعد ايام من التوقعات والترقب جاءت الضربات الاميركية التي توعد بها ترامب النظام السوري بعد الهجوم بالاسلحة الكيمياوية على بلدة دوما قرب دمشق. الضربات كانت محدودة, هجمات جوية وصاروخية استغرقت اقل من ساعة واستهدفت ثلاث منشات لتصنيع وخزن الاسلحة الكيمياوية. اما ردور الفعل التي اثارتها فقد كانت في الغالب مبالغا بها. لكن المبالغة كانت غالبا لاسباب وحسابات تخص القوى والاطراف التي صدرت عنها تلك المواقف.
المعارضة السورية عموما احتفت بالقصف الاميركي, الذي جاء معضدا بمشاركة بريطانية وفرنسية.هذا القصف ياتي بعد عام من قصف مطار الشعيرات الذي امر به ترامب بعد قصف النظام السوري لبلدة خان شيخون بالاسلحة الكيمياوية. لم يوثر ذلك القصف على الامكانيات العسكرية للنظام السوري الذي استطاع منذ ذلك الحين, وبدعم كبير من روسيا وايران وحزب الله والمجاميع المسلحة الشيعية من ان يستعيد السيطرة على مساحات كبيرة من الارض التي خسرها في السنوات السابقة. لكن المعارضة السورية تعول على ان يمتد قصف ترامب ليضعف النظام,وتشارك ترامب اتهاماته لاوباما بالتسبب بتقوية الرئيس السوري بشار الاسد ونظامه لانه لم يتدخل في الازمة السورية في وقت مبكر. ترامب يحقق غرضا سياسيا مهما بالنسبة له وهو اضهار قوته والتزامه بتعهداته على عكس اوباما الذي قال ان استخدام الاسلحة الكيمياوية في سوريا خط احمر لكنه لم يتدخل عسكريا بعد استخدام النظام لتلك الاسلحة قبل خمس سنوات. لكن ترامب لايريد ان يفعل اكثر من ذلك. اما المعارضة السورية قتحاول التشبث بامل ان يغير الاميركيون مسار النزاع الذي بدأ بالسير نحو نهايته مع التوافق التركي الروسي الايراني الذي يكرس بقاء النظام في السلطة وحصول دول عديدة على مراكز ومساحات نفوذ في سوريا.
القصف الجوي الاخير لم يغير شيئا من الاستراتيجية الاميركية في سوريا. تنظيم داعش هو العنوان الوحيد لتكل الاستراتيجية. على الارض ترى هذا واضحا في مناطق شرق الفرات القريبة من الحدود العراقية حيث تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية التي يهيمن عليها الاكراد السوريون وتضم عشائر عربية وتحظى بدعم واسناد اميركي مباشر. لكن ترامب الذي يتعرض للانتقاد في اميركا على عدم وجود استراتيجية شاملة له في سوريا, ما زال يريد ان ينسحب من ذلك البلد تماما وهذه نقطة تحدث عنها حتى في الخطاب الذي القاه لاعلان انطلاق الضربات الجوية.
انتهت الضربة على اية حال بمحدوديتها. انقسم الشرق الاوسط على العموم طائفيا في رد فعله. فقد ايدت السعودية على لسان ولي عهدها محمد بن سلمان استعدادها للمشاركة في الضربات قبل حدوثها وهو امر لم يحدث لكنه سجل موقفا. وبينما يعاني الشعب السوري منذ سنوات الويلات التي تلوم غالبيته السنية النظام وايران وروسيا عليها يستمر التفاف الاقليات حول النظام, احتفت المعارضة السورية بالضريات كما تقدم. اما ايران فادانت الضربات و في العراق رددت اطراف شيعية دعوات البرد والسلام علي سوريا. حتى زعيم التيار الصدري في العراق مقتدى الصدر الذي دعا في الماضي لاستقالة الاسد وابدى تفهما لقضية المعارضة السورية ذات الغالبية السنية, دعا اتباعه للتظاهر ضد ما سماه بالعدوان على سوريا ورفع اعلام العراق وسوريا وهي اعلام النظام السوري وهذا ماحصل.
النظام السوري اطلق على الضربات اسم العدوان الثلاثي مستعيرا عنوانا فخما من التاريخ العربي الحديث. العدوان الثلاثي هو الاسم الذي اطلقه العرب على الحرب التي شنتها بريطانيا وفرنسا واسرائيل على مصر بزعامة عبد الناصر بعد تاميمه لقناة السويس عام ستة وخمسين وكرست نتائجها صعود زعامة عبد الناصر وتيار القومية العربية. في الواقع ابدت تيارات قومية عربية تاييدها لنظام الاسد في وجه الضربات العسكرية الاخيرة. رغم انخفاض التاييد الشعبي لتلك التيارات واختلالها احيانا على اسس طائفية فهي ما زالت تتمتع بحضور اعلامي.
انتهت الضربات اذن مع ارسال اميركا وبريطانيا وفرنسا رسالة واضحة, لن يتم التسامح ابدا مع استخدام الاسلحة الكيمياوية. في المقابل تستمر روسيا في نفيها حصول اي هجوم بالاسلحة الكيماوية وبترديد نظريات موامرة تتهم احداها بريطانيا بفبركة الهجوم. انتهت الضربات مع استعراض لعمق الخلافات السياسية والطائفية في العالم العربي. اما بالنسبة للنظام السوري فلم تقتله هذه الضربة, بل لعلها جعلته اقوى واقرب لداعميه الروس والايرانيين الذي بفضلهم وباستخدام الاسلحة التقليدية لا الكيماوية يستمر بالتقدم العسكري على الارض فارضا وجوده امرا واقعا على بلد يعمه الخراب والتقسيم والنفوذ الاجنبي.


















