الصعود إلى الهاوية عبر سلالم التيه – نصوص – عبد السادة جبار

 الصعود إلى الهاوية عبر سلالم التيه – نصوص – عبد السادة جبار

لا ادعي لما سأذكره هنا نقدا أدبيا او حتى تقويما للرواية المذكورة آنفا ،بل هي تأثرات حيادية نتجت عن تفاعلات احداثها على كقاري ازعم أني متابع جيد للاعمال السردية ولعل هذه السطور يمكن ان تكون اضاءات ذات اهمية ما للقارئ والكاتب ايضا او بمثابة دلالات تاثير النص ليستفيد منها الكاتب كمجسات للكتابات القادمة وربما تتحول هذه السطور الى خامات مختبرية في ورشة النقد اذا تفاعل النقد مع القارئ ليخلص الى نقد تقويمي وتقييمي لاي عمل لا يتجاهل فيه القارئ مكتفيا بالنظرة الاكاديمية لقوالب سابقة او معتمدا فقط على القياس الذي يستهلكه الزمن بالتغييرات الجدلية المستمرة للنتاج السردي .

كلمة مرور

يمهد القاص بكلمة مرور على عتبة روايته ..تبدو مزدوجة القصد فهي تعني الذات (ذات القاص) وتعني الشخصية الاساسية “امي وابي ..اعتذر منكما لقد استوطن الليل في أعماقي ،واطلق/ بث رماده في نهاري ،إني ابحث عني في مدارج التيه ،فهل اجدني “يترشح القصد الاول عند الشروع في القراءة ..ويترسخ الثاني عند الانتهاء من النص.

 رحلة السرد

شكل الكاتب روايته  من 20 مفصلاً وزع 13 منها في الجزء الاول تحت عنوان ” نياسم متماهية” و7 مفاصل تحت عنوان ” على مدارج التيه” استحوذ القاص على الجزء الاول اذ تبنى السرد بنفسه كمراقب ومتابع للاحداث وسارد عليم وجعل الجزء الثاني لترويه البطلة بنفسها لتصل الى القرار –المصير .

يلمس القارئ منذ البداية ان الرواية تعتمد  على احداث واقعة ،على الرغم من ان المؤلف لم يشير الى ذلك فالزمان والمكان والشخصيات كلها تحمل صفات وسلوكيات تنفرد بها مما يجعلها واضحة لزمكان محدد لكنها يمكن ان تكون امثولة لكل زمان ومكان، الشخصيات هم المقربون والطامحون للتقرب من  جلاد النظام السابق ،ويبدو لي انه امر مقصود ليؤكد الوجود الواقعي للحدث على الرغم من تجنبه الاسلوب المباشر بالسرد لئلا يقع في فخ المباشرة وبذلك نجح السارد بتعزيز المصداقية الواقعية ولكن عبر اسلوب مزج فيه المتخيل بالواقعي والذاتي بالموضوعي ليترك للقارئ فسحة كبيرة من التفاعل والتخيل والمشاركة ويجنبه حالة الانقياد للسرد التقليدي في المتابعة (الحكائية ) ،يتخذ القاص شخصياته السلبية انموذجا للمخدوعين والمغرر بهم والمسكونين بالطموح الزائف لتطل من شباك آخر على ماضي –وثيقة يطرح فيها سلوكيات اختاروا ان يكونوا ضحايا للتضليل والخداع نتيجة لسذاجة في التفكير ،وبذلك فان المؤلف نجح في طرح شخصيات سلبية تعامل مع تفكيرها من افقها ..ولم يتدخل في صياغاتها عبر تصوراته ..متخلصا من الثنائية التقليدية (جلادون – ضحايا ايجابيون ابطال ) عجت بها عشرات النصوص ليعالج في نصه  ثنائية اخرى (جلادون –ضحايا سلبيون ) ليكشف لنا عن الوجه الآخر للمرحلة التاريخية  القميئة التي مرت على الواقع العراقي ، اذ سقط الكثير من ضحايا هذا النوع على طموحات خائبة نتيجة  لجذور تربوية  خاطئة انحرفت لتمكن  النظام الاستمرار في ظلامياته ، فالشخصية الاساسية ” نحول ” تحلم بالوصول الى راس الهرم الى الصنم ” تعلق صورته بسلسال من ذهب تدعها تختال على عضام قفصها الصدري المبتسمات …تسور معصمها بساعة تتعانق عقاربها مع شاربه الكث في مساحة مينائها ” انثى هزيلة تغويها صورة الظلم فتعتقدها قوة ” ..فراشة تسعى للوصول الى المفترس الاكبر ” يرسم القاص هذا الاحساس الماسوشي بدقة من خلال نمو الشخصية منذ بداياتها المدرسية وتربيتها الاسرية حيث تتقدم تدريجيا الى مصدر اللهب الذي تظنه نورا حتى تصل الى بداية النهاية من خـــلال انضمامها الى فريق القفز بالمظلات الذي يرعاه الابن الجينة الاسوأ للدكتاتور ..فتقع في شباك الوكر ..

وهنا تتكشف الامور ويسقط الطلاء عبر المتدني من الغرائز .هذا اختصار شديد للخط السردي الاساسي .

لغةالسرد

منذ شروع القاص بالسرد حمل روايته  افعالا وعبارات مزدوجة الاستخدام ،ولم يكن اختياره هذا لمجرد التغريب او التجديد في اللغة بل جاء لتكثيف المعنى مختزلا انسيابية النص معبرا عن الإرهاصات والهواجس بلغة مركبة تمنحنا القدرة على التحليل للوصول الى أعماق شخصياته المتشضية السلوك ،وبالرغم من افتراضه هذا الاسلوب التجريبي الرائع الا انه لم يقع تحت اغراء الغموض وانتقى العبارات المركبة بحرص لتتماهى مع تطور الحدث والشخصيات كانه يعبر عن ذلك الاضطراب والعشوائية والضياع الذي تعيشه البطلة على الخصوص :” تسجد للتلفزيون ،تنقطع عن الكون ،تختفي /تتلاشى الحواجز بينهما ،وتتشظى /تتناسخ حدود الوهم ”  الفعلين هنا (تختفي /تتلاشى ) غير متشابهين بل يشكلان معا فعلا اخر لا يعبر عنه بكلمة واحدة ،ا (تتشظى /تتناسخ ) فعلين مختلفين لكنهما يقعان في وقت واحد تماما كتفاعل كيمائي  مزدوج وليس متسلسل وهو تاكيد على سلوك اميبي  يجسد الدونية عند الشخصية ، وحين ينتقل الى حالة  الوصف “تستقطب الاذان المزيد من البوح ،تستدعي ضمير الشرطي /التمثال للتفاعل معها ” نلاحظ هنا (الشرطي / التمثال ) وهو تماهي مع وصف (حي –ميت ) افتراض الشرطي هم الامن الحماية  النجدة ،الا انه هنا يعني تمثال نصب ليكون رمز للنظام وليس للشعب اوللانقاذ ، في الواقع النص مليء بهذه العبارات الايحائية التي تحتاج وحدها الى قراءة منفصلة تؤكد قدرة الكاتب على تعاملة مع لغة مميزة تحمل شاعرية وتجريبية في نفس الوقت .كقارئ اجد من المهم ذكرملاحظة ،اهتم السارد بخطوط رئيسية للاحداث ولم يشبع روايته بالخطوط الثانوية والشخصيات التي تلعب دورا واقعــــيا في تاكيد ظروف هذا النوع من الضحايا لاننا ندرك ان المرحلة التاريخية التي تناولها المؤلف كانت مفعمة بتفرعات وتشابكات شخصيات  ثانوية كثيرة تضافرت لتصنع القناعات المنحرفة كان لابد من توفرها في الرواية لتمنحها عمقا وتكثيفا للمرحلة .السارد مهدي علي ازبين حقق بهذه الرواية انعطافة مهمة ليس فقط للسرد العراقي بل للسرد العربي ،ولكن ما يؤسف له ان جهدا كهذا قد يغيب عن القارئ بسبب مشكلة التوزيع والترويج في خضم هذا الكم الهائل من المطبوعات  التي تجعل القاري لا يميز الاختيار.