الصبر من عزائم التقوى – مقالات – عبد الرزاق الكرم الحميري

الصبر من عزائم التقوى – مقالات – عبد الرزاق الكرم الحميري

اعلم ايها القارئ : أن من حسن التوفيق، وأمارات السعادة، الصبر على الملمات والرفق عند النوازل، وقال بعض الحكماء : ( بالصبر على مواقع الكره تدرك الحظوظ)، وقال عبيد بن الأبرص [صبر النفس عند كل مسلم، ان في الصبر حيلة المحتال] . لا تضيق في الامور فقد تكشف غماءها بغير أحتيال رب ما تجزع النفوس من الأمر له فرجة كحل العقال.

وقال ابن المقفع في كتابه اليتيمة : الصبر صبران ، فاللئام أصبر أجساما، والكرام أصبر نفوسا. وليس الصبر الممدوح ان يكون صاحبه قوي الجسم على الله والعمل، لان هذا من صفات الحمير، ولكن ان يكون للنفس علة للأمور محتملاً، ولجأشه عند الحفاظ مرتبطاً. أن الصبر على ستة أقسام، وهو في كل قسم منها محمود فأول اقسامه :

1- على ما أمر الله تعالى به ، والانتهاء عما نهى عنه ، لانه به تخلص الطاعة وبخلوص الطاعة يصح الدين، وتؤدى الفروض، ويستحق به الثواب، وهذا النوع من الصبر إنما يكون لفرط الجزع ، وشدة الخوف فإن من خاف الله تعالى صبر على طاعته، ومن جزع من عقابه وقف عند اوامره.

2- الصبر على ما تقتضيه أوقاته، من رزية قد اجهده الحزن عليها، او حادثة قد استنكده الكمد والهم بها، فان الصبر عليها يعقبه الراحة منها، ويكسبه المثوبة عنها، فان صبر طائعا، والا احتمل هما لازما، وصبر كارها آثما.

3- الصبر على ما فات ادراكه، من رغبة مرجوة واعوز نيله من مسرة مأمولة، فأن الصبر عنها يعقب السلوة منها، والأسف بعد اليأس خرق.

وقال بعض الحكماء (اجعل ما طلبته من الدنيا فلم تنله، مثل ما لم يخطر ببالك ولم تقله).

4- الصبر فيما يخشى حدوثه من رهبة يخافها او يحذر حلوله، من نكبة يخشاها، فلا يتعجب هم ما لم يأت، فأن اكثر الهموم كاذبة ، والاغلب من الخوف مدفوع.

5- الصبر فيما يتوقعه من رغبة يرجوها أو ينتظره من نعمة يأملها، فانه إن ادهشه التوقع لها، أو أذهله التطلع إليها، أفسدت عليه سبل المطالب، واستفزه تسويل المطالع، وكان ابعد لرجائه، واعلم لبلائه ، وإذا كان مع الرغبة وقوراً، وعند الطلبة صبورا، انجلت عنه عماية الدهش ، وانجابت عنه حيرة الوله، فابصره رشده، وعرف قصده.

6- الصبر على ما نزل من مكروه، او حل من أمر مخوف فبالصبر في هذا تنفتح وجوه الآراء ، وتستدفع مكايد الأعداء فإن من قل صبره غرب رايه، واشتد جزعه، فصار صريع همومه، وفريسة غمومه واعلم ان النصر مع الصبر، والفرج مع الكرب، واليسر مع العسر.