الشعر عندما يدون التاريخ.. قراءة لمطولة خطبة العربي الأحمر

الشعر عندما يدون التاريخ.. قراءة لمطولة خطبة العربي الأحمر

أدهام نمر حريز

صدر عن دار الجواهري للطباعة والنشر ببغداد المجموعة الشعرية الأولى للشاعر …عدنان حسين عبد الله ، بعنوان …خطبة العربي الأحمر بـ( 117 ) صفحة من حجم المتوسط ، وكانت على شكل ملحمة متكونة من ثلاثين مقطعا.

وبعنوان ثانوي يفسر العنوان الرئيسي ( تناص مع خطبة الزعيم الهندي الأحمر سياتل زعيم قبائل دواميش واسكواميش الهندية التي أبادها الرجل الأبيض ) تقع في صفحتة الاولى .

وقبل ان نتناول النص نعرج على سيرة ذاتية للشاعر/ عدنان حسين عبدالله

فانه من مواليد بغداد / 1973

تخرج من كلية الآداب / قسم اللغة العربية / الجامعة المستنصرية عام 1997/1998

درّس مادة اللغة العربية منذ عام 1999في المدارس الثانوية

عمل كمسؤول الصفحة الثقافية في جريدة العهد الجديد 2004/2005

وكانت من مؤلفاته/

– خطبة العربي الأحمر / مطولة شعرية . صادرة عن دار الجواهري للطباعة والنشر بغداد 2015

– أسفار في ذاكرة الجمر / مجموعة شعرية / قيد النشر

– قصائد منشورة في الصحف والمجلات العراقية والعربية منذ 1999

– دراسات نقدية في مجالي الشعر والسرد منشورة في الصحف والمجلات العراقية والعربية .

أبتدأ الشاعر/عدنان حسين ملحمته الشعرية ( مثاقفةٌ مع محمود درويش)

في العقدِ التسعينيّ من القرنِ الماضي كانَ يعتقدُ الشاعرُ ( محمودُ

درويش ) رحمه الله ، ( أنَّ شعبيَ الفلسطينيّ المظلوم والمحتلّ والمبعدَ

همُ الهنودُ الحمر في الشرقِ الأوسط ، لذلك خلق خالدتَهُ

الشعرية ( خُطبةُ ” الهنديِّ الأحمر ” –  ما قبل الأخيرة –  أمام

الرجل الأبيض ) ، متقمصاً شخص الهندي الأحمر ليس كقناع

إنّما كحلولٍ واتحاد في كنه المأساة الإنسانية ، لكنّ اليومَ

أصبحَ غالبيّةُ الشعبِ العربي هنوداً حمرَ يحيون ذاتَ المأساةِ التي

ما يزالُ شعبيَّ الفلسطيني يرزحُ تحتَ نِيرها ، لذا كانتْ هذهِ

الخُطبةُ ما بعَدَ الأخيرة للعربيِّ الأحمر أمامَ الرجلِ الأبيض .

فلخص بذلك توجهه وما يريده من تسليط الضوء بصورة شعرية على قضية مهمة من قضايا الشعوب ، فهو يدافع عن هويتها و بقائها أمام هذا الالغاء و الطمس ، فشكلت بذلك مضمونا يصلح لجميع الشعوب التي تواجه القهر و الابادة و التسلط .

وجعل الشاعر من مطولته منبرا لقريحته وهي تدافع باستماته عن (الهندي الاحمر ) الذي جعل من عنوانه عاما لايقف عند حدود معينة.

وأشار الى ما قاله الشاعرُ الإنكليزي الكبير ( تِ . سِ . أليوت ) :-

أنا لا أؤمنُ بشعرٍ جديدٍ مطلقاً ، لأنّه سيكونُ رديئاً ، الشاعرُ

العظيمُ هو الذي يذكّركَ بسابقيه.

من كتاب ” الأصابع في موقد الشعر ” ( للناقد الدكتور حاتم الصكر ) ص100 .

وراح يهدي هذه السطور بشكل متميز جدا ، ليحلق بعيدا نحو صدور الشعوب المظلومة ، فكتب :-

إلى أرواحِ أسلافي وأخوتي المقدّسة ، من هيروشيما ، العراقْ ، فلسطينْ ، إلى سياتل ، ( الذين أبادَهُم الرجلُ الأبيض ) .

ثم ابتدأ مطولته الاولى ( إذاً ،

ما اكتفيْتَ …

يا سيدَ البيضِ …

” سبعونَ مليونَ قلبٍ فقأتَ “

في ضفافِ المسيسبي

عندَ ذاكَ الأمسِ البعيدْ

كمْ قتلْتَ ! !

يا سيدَ الخيلِ … من إخوتي … كمْ قتلْتَ

في أمسِ روحي

كمْ تماديْتَ !!

يا ربَّ الحديدْ …

هنا خاطب الشاعر باسلوب الحاضر ( السيد الابيض ) وكانه يعاتبه وهو يقول له ( ماأكتفيت ؟! ) ، فكان صورة حوارية جميلة ، عبرة عن كل الانفعالات و الارهاصات التي يكون بها المظلوم .

وفي مقطوعة اخرى من مطولته ( لم يكنْ كلكامشُ

في أرضِنا صدفةً من عدمْ

بلْ كانَ فينا لأنّا نكونْ

من نفسِ ذاتِ الصباحِ المقدّسْ

في أرضِ دلمونَ البهيةْ …

هذي جذوري يا غريبْ …

قلْ يِخللكَ

أنْ تحترمْ …

عشبَ أرضي لا تجفلوا فيهِ الندى

النورِ لا تقتلوا لحظةَ

في نخيلِ الفراتْ

أبونا الفراتُ العظيمْ …

اشار في هذه الابيات الى كلكامش الاسطورة السومرية القديمة ، وكانه ينتقل من موطن الهنود الحمر (المسسيبي ) الى ارض بابل ، فيجعل من هدفه واحد ، او انه يشبه الحالة التي مرت على شعب الهنود الحمر فيعممها على ما مر على العراق ، حيث تضهر جليا الاشاراة الدقيقة و الواضحة على انه قصد العراق .

وفي مقطع اخر يقول ( يا سيدَ البيضِ يا شيخَ القبيلة

وصلتْ رغبةٌ منكَ أن تشتري أرضي القتيلةْ

طالباً مني

عقدَ مشروعِ الصداقةْ

مَن أنتَ !! ، حتّى تُدرِكَ اليومَ الصداقة

بين القتيلِ وقاتله …

من أنتَ حتّى تجودَ !!

على روحِ شعبي بسجنٍ كبيرْ

من نواياكَ الطيبة …

يا زعيمَ البيضِ يا ربَّ الذهبْ …

لطفُكَ الباهتُ يُبكِي مزاميرَ الرعاة

في هذا المشهد الدرامي وضح الشاعر بصورة جلية الاحتلال ، فأسمى السيد الابيض ( بشيخ القبيلة ) الذي يتحكم بارض الاشعوب ، ثم يعود و يساله من انت ، كمن يعطي اشارة تنبيه للمستمع او المتلقي حول اهمية الحدث او الكلام الذي سياتي بعده .

وفي مقطع اخر من مطولته يصف الشاعر ( ما بيننا …

هو اتفاقُ الفصولْ

في اندحارِ الحقيقة

قرارُنا أنْ نبيعْ

كانَ انتحارَ الربيعْ

وسط أشلاءِ الشتاءْ

أيُّ ذنبٍ للأيائلْ

حينما تأتي مراعيها الوحوشْ

للمناجلْ أيُّ ذنبٍ

حينَ تجفيها الحقولْ

والسناجبُ كيفَ تبقى إذا ماتَ الصنوبرْ

والعنا كبُ ترتادُ المياه ، كي تموتْ

يتضح من هذا النص السرد التعبيري و الانفعالي الوجداني في الوصف ، وهو يستخدم كل ادواته في التوظيف و الدلالة و التوصيف ، فيصف الاتفاق بانه فصلي وغير ثابت لعدم وجود توازن بينهما ، والقرار الذي كان انتحارا وبدأ يصف الهجمة للمحتل بانها كهجوم الوحوش على المراعي .

وحتى لا أطيل على القارى ، فان المقاطع الاخرى في المطولة ، بدأت تتخذ جانبا في تصعيد الوصف باسلوب استخدم فيه الشاعر الرموز المكانية و الزمانية للحدث ، في تناسق و ترتيب جيد و رائع ، ليدور حول محور هذا السيد الابيض الذي تسلط على ذرات الشعب و الارض .

ولكني اريد ان اشير الى احد المقاطع في مطولته التي اختلفت عن البقية ، من ناحية أضهار الجانب العنصري للسيد الابيض ( يا سيدي الحرِّ النبيلْ

سيدُ البيضِ رسولُ الحضارةْ

مَزَّقتْ روحي الحضارة …

هشّمتْ روحي الحضارة …

أنهكتْ روحي الحضارة …

أرّقتْ روحي الحضارة …

خُذْ كلَّ هذي الحضارة …

وأعطني ساعةً كيْ أنامْ

على ريشِ البحيرةِ في سلامْ

بينَ أسلافي القصبْ

هنا وصف الرجل الابيض ( بصاحب الحضارة ) التي انهكت الطبيعة و تعالت عليها بصورة الانسان المتحضر في البيئة الهمجية .

وبعد هذا النص بدأ الشاعر كمن يعرج الى السفح بعد ان انهى قمة الاحداث .

الى ان يختمها بالإضاءات التي جعلها مفتاحا لحل الموز التي وضعها في نصه الشعري .

لقد كان الشاعر / عدنان حسين موفقا في أداء شعري متناغم و نص محبوك بانفعال وجداني رائع .