الشعر بين تراجيدية الإنسان وميكانيكية اللغة- عبد الكاظم محمد حسون
ما هو الشعر .. وما يميز الشعر عن غيره من مكونات الثقافة والأدب والإبداع الانساني وما هي رسالة الشعر وكيف يصل الى المتلقي ..وما هي الامتيازات والمدلولات التي يحملها الشعر لتجعل المتلقي يبحثه عنه (اي يبحث عن الشعر) لا الشعر هو الذي يبحث عن من يسمعه او يتلقاه ، وماهي المساحة الزمنية والمكانية التي يؤثر فيها الشعر على الناس وما مقدر تأثر الناس بهذا الشعر لدرجة تثير اعجابهم ويبقى عالقا في اذانهم على الرغم من بعد المكان ومرور الزمن فشعراء المعلقات السبع ما زال شعرهم يرن في اذان الناس على الرغم من مرور اكثر من مئات السنين ، عجبا ما هو السر وراء هذه الديمومة والحيوية العالية ما هي موصفات هذا الشعر وما هي موصفات مكوناته البنيوية هل سر بقائه في طبيعة الشاعر واسمه اما في هذا الانتاج العظيم وما هي الادوات التي استخدمها هؤلاء الشعراء المتألقين والفطاحل في انتاج قصائدهم الرائعة . وهل سر النجاح هو في معنى القصيدة اما في بلاغاتها اما في بنائها الشعري من حيث الوزن والقافية او في مفرداتها اللغوية او لا هذا ولا ذاك وإنما النجاح في اختيار وتجميع كل تلك المكونات بمستوى عالي اختارها الشاعر لإمكانيته الكبيرة في توظيف كل تلك العوامل لينتج قصيدة ذات بناء ومواصفاته عالية ليس فيها عيب ولا شرخ كالمهندس الماهر والناجح اذا يوظف مواد اولية ذات جودة عالية وغير مألوفة لبناء بيت يثير اعجاب الناظرين .
وكما للبناء من يقيمه ومن يحاول اقتنائه او العمل على الحصول عليه ، وبالتأكيد اقتنائه صعبا على كل الناس فسوقه محدودة وسعتها تعتمد على عوامل شتى منها المستوى الثقافي والحضاري لهذا الشخص او ذاك ومقدر مستوى دخله او حالته المادية .
كذلك للشعر سوق لترويجه وله من المتابعين لاقتنائه او سماعة والشعر بشكل خاص والأدب بشكل عام ، له روح كروح الإنسان فهو يتفاعل مع الواقع ويتأثر فيه ، ويسعد لسعادة المجتمع ويحزن لحزنه ، وانه مرآته التي تعكس واقع المجتمع وحيثياته كما انه يمثل تاريخ الأمة بكل تفاصيلها من احداث وحروب وجور سلطان …الخ ، وعندما نتكلم عن الشعر لا نقصد الشعر الهجين او شعر من يدعون الشعر وهم يكتبون في بلاط السلاطين بعيد عن معاناة شعوبهم . فهم أصوات لا تختلف عن أصوات الحاشية والخدم في البلاط . في الجانب الأخر نجد ان الشعر الحقيقي ، هو شعر الناس المعذبين شعر الحماس وشعر الدفاع عن الحق والدفاع عن الضحية وعن معاناة الإنسان وما يعانيه من بؤس وحزن …ان القصيدة الحقيقة هي النابعة عن وجدان الشاعر وعن معاناته وعن حالته النفسية ، وان مخاض القصيدة لا ياتي من النفس المستريحة الهادئة السعيدة ، وإنما تأتي من النفس التي تعاني حالة القهر وحالة الحزن والإحساس بمظلومة الأخر … وهنا نجد ان للغربة دورا وان للسجن دورا أخر وكذلك الحرمان في تبلور قصيدة ناضجة تعكس حالة تراجيدية ، حتى بناء القصيدة وأدواتها تكون أوسع واشمل ، لكون الشاعر في هذه الظروف لم يمتلك قدمين فقط وإنما أجنحة تطير به إلى عالم أرحب فتكون أدواته أكثر شمولية وأكثر إحساس ونضج .
ان القصيدة الناجحة ، هي الناجحة في الامتحان ليس اما المستمع و فالمستمع لا يعني بالضرورة مقياس نجاح القصيدة مع تحفظنا على هذه النقطة ، ان القصيدة امتحانها الحقيقي اما الزمن وإمام المكان في مدى بقائها وانتشارها .


















