الشعب إستوه – مقالات – خولة العكيلي

الشعب إستوه  – مقالات – خولة العكيلي

هرع الكثير وانا معهم صوب حافلة نقل الركاب التي وقفت بجانب الطريق كان يجلس فيها شخصان او ثلاثة لم اتطلع لوجوههم لان ذلك لاينسجم مع اللياقة وكان جل مااروم اليه هو الصعود الى تلك الحافلة مع جمهرة من الناس الذين غادروا الكيا التي توقفت في طابور الإنتظار قرب جسر الطابقين في الجادرية سائقها اضطر الى ايقاف محرك التشغيل لاننا تجاوزنا الساعة ننتظر  بصبر لان الجميع يجهل السبب حتى جاء الفرج وكانت الساعة قد قاربت التاسعة صباحاً على مااظن . ادار السائق محرك السيارة وتقدم بضع امتار بعدها طلب شرطي المرور منه ومن السيارات كافة العودة من حيث اتوا لم يستغرب الجالسون وحتى السائق من ذلك لان الشعب اعتاد على سوء التخطيط .. شاهدت من بعيد تجمعاً يشير الى ان تظاهرة وفعلاً كانت كذلك فهي لموظفي  شركات التمويل الذاتي التابعة لوزارة الصناعة والمعادن يتظاهرون احتجاجاً على رواتبهم التي لم تسدد لهم منذ 4 اشهر. السائق اضطر للعودة الى البياع وقدم عرضاً مجانياً لمن يرغب العودة معه نزل البعض والآخر وانا منهم بقينا في الكيا وقد قاربت الساعة العاشرة صباحاً كنت على غيرهدى لاادري ماذا افعل ؟ هل اعود الى البيت ؟  فلدي عمل آخر لابد من التوجه له . اتصلت بالشركة التي اعمل فيها اخبرتهم بما حدث وبحيرتي لان الطرق قد ازدحمت جميعها بسبب التظاهرة ولابد من الذهاب الى عملي في الجريدة التي تبعد كثيراً عن سكني فما العمل؟ اشار علي مديري في العمل ان استقل الكوستر التي تقف في تقاطع الجادرية وفعلت حينها شعرت بارتياح لا هناك خيارات .. السيارة كانت تضم اناساً من المستويات كافة وبما ان الطريق مزدحم جداً بدأت اراقب برؤية صحفية مايحدث من حولي وجدت الجميع قد بدا عليهم الملل والإمتعاض والضيق حتى نفد صبرهم فضلاً عن مراقبتي للصاعد والنازل من الكوستر ولبعض المارة الذين يجرون خطاهم ببطء شديد من الأرهاق فقرروا ان يرافقونا بالإنتظار في السيارة فثمة كراسي مازالت فارغة وآخرين غادرونا ليصلوا الى وجهتهم مشياً .

في خضم تلك الحوادث كان شاباً ثلاثينياً يجلس في الكرسي المناظر لي اتذكر عندما جلست في مقعدي رمقني بنظرة طويلة استعرض بها ملامحي بكل امعان اثار استغرابي لكني تجاهلته قلت  مع نفسي بأنه يشبهني بأخرى قد يعرفها وعند تسارع الحوادث  بعد ان أخذ التأخير في الإزدحام والانتظار الطويل في السيارة مأخذه من الركاب جاءنا ضيف جديد شيخ تجاوز السبعين يتوكأ على عصا ويعتمر قبعة ذكرتني بالشيخ العلامة جلال الحنفي طيب الله ثراه عندما كان يضع واحدة مثلها على رأسه . وما ان جلس الشيخ الذي يبدو ان الزمن قد سحقه حتى أخرج ذلك الشاب الذي يناظرني بالجلوس من حقيبته اوراقاً بيضاً وبدأ يرسم الشيخ الذي يجلس في المقعد المقابل له ولي اكمل صورة بورترية في غاية الروعة بسرعة فائقة كان يستخدم القلم الأسود في تخطيط اللوحة وعنما انتهى وضعها في حقيبته ثم اخرج اخرى ليرسم ذلك الشيخ لكن من زاوية اخرى كان يعتمد انعكاس صورته في شباك السيارة حيث الشمس كانت تسطع ثم رسم الشاب التشكيلي رجلاً آخر كان يجلس امامه يبدو ان حزناً قد شوه ملامحه خطوط عميقة تمكنت من بشرته رغم انه يجلس معتدل القامة بما يدل انه يعاني من شيخوخة مبكرة هذه المعطيات ربما اثارت رغبة لدى الفنان برسمه وقد ادهشتني سرعته برسم الوجوه على الرغم من انها اصعب انواع الفنون التشكيلية بحسب ما سمعته من كبار التشكيليين في البلد اثناء لقاءاتي بهم .

 كان ذلك الشاب يختار الوجوه المتعبة فهكذا هم الفنانون مرهفو الحس يستشعرون هموم الآخرين ويجسدوها بصدق متناه في لوحاتهم لتصرخ وتحاكي الضمائر . حينها ادركت لماذا حدق بوجهي عندما صعدت الى السيارة ؟

 شعرت بالخجل من مراقبته وهو يرسم فأدرت وجهي الى الشارع كي لااتطفل عليه لكني سرعان ما شد انتباهي صوت تمتمة بكلمات لم استطع تمييزها قد انبعثت من احد الجالسين لكني لم ار شيئاً وبما ان الرسام يجلس قريباً جداً مني وهو اول مايقع  نظري عليه حينما التفت فقد شاهدته وهو يضع سماعات الأذن متصلة بجهاز الآي باد الصغير الذي يحمله بين يديه .تجاهلت وعاوت النظر من نافذة السيارة اراقب الراجلة الذين غادروا مقاعدهم فطوابير السيارات بدأت ولم تنته حتى طرق مسامعي مرة ثانية ذلك الصوت الذي بدأ يعلو بتمتمة كلمات غير مفهومة ربما هي غناء او صراخ او حديث مع النفس بصوت عال طرق مسامع الركاب دون قصد منه وعندما عاوت مرة اخرى التواصل مع  مايحدث في السيارة وراقبت الجالسين اكتشفت ان تلك التمتمة المصحوبة بشجن تنم عن حزن باطن قد صدرت من ذلك الرسام تألمت وبقيت انظر صوبه بألم وهو يردد كلماته غير الواضحة دون ان يكترث بأحد بدا وكأنه في عالم أخر خاص به بعيداً عما يدورمن حوله ولم استفق من غرابة ما حدث حتى سمعت صوتاً ينبعث من المقاعد الخلفية للسيارة يعقب على مابدر من الشاب التشكيلي بحسرة .. الشعب استوه.