الشخصية وبناء المجتمع – مقالات – نور كريم الطائي

الشخصية وبناء المجتمع – مقالات – نور كريم الطائي

الشخصية هي العلامة المميزة للطبيعة المعنوية والعقلية للشخص وهي السمعة التي يصنعها الشخص لنفسه بواسطة سلوكه وتصرفه كما أنها مجموعة الصفات و الأفعال والميول التي تميز الشخص عن بقية الأفراد؛ وبعبارة أخرى هي مضمون الطبيعة البشرية في أسمى صورها لان الإنسان يظهر نفسه على أحسن صورة عندما يمتلك شخصية…

إن كل شيء وإن كان تفصيلا بسيطا فهو جزء من شخصية الإنسان بل ويبنيها على مرّ الزمن. وإذا كان لتنمية الشخصية كل هذا الأثر المهم في حياة الفرد وتنشئته فإننا لا نرى أي اهتمام من قبل المجتمع ولا أي جهود مُدركَة لتعميق هذه الصفات في المجتمع وخاصة الشباب! وهذا سبب رئيسي في انحرافهم اليوم! فالبيئة والوضع الاجتماعي ابتعدا كثيرا عن تنمية الفرد وتنشئته بصورة لائقة تسمو لصفة الإنسانية وربما كان للغزو الفكري والتفكك الأسري والعولمة والتكنولوجيا الحديثة الأثر الأكبر في أخذ مسارها الخطأ عند أفكار المجتمع و مما نراه من بعض شباب اليوم وأفكاره السطحية والهشة حيث جلّ اهتمامه مظهره الخارجي وكيفية تلميع تلك الصورة البشعة القابعة داخله فلا يمتلك فكراً ولا شخصية تليق به كإنسان..!

“فالإنسان هو تلك الكتلة من الفحم في عيشه حياة ممتازة، يدرك انه باستطاعته أن يكون ماسة..ولا تتحول كتلة الفحم إلى ماس من غير ضغط أو صقل؛ المسألة هي: حين أريد أن أكون ماسة فهل أنا على استعداد أن ادفع الثمن؟!”

تلك التضحية أو دفع الثمن ليس باهظا ولا يتطلب من الأجيال أو القوة الجسدية أو انتظار من يغير الأوضاع ” فمن يؤجل ساعة العيش الصحيح يشبه الشخص الساذج الذي ينتظر النهر حتى يجف قبل أن يعبر!” فتنمية شخصية الفرد تحتاج إلى قوة الإرادة و تطوير الذات ليعرف كيف يعيش بشكل صحيح في كافة نواحي الحياة وهذه لا تكون جزءاً من شخصية الإنسان بهذه البساطة فقوة الإرادة تحتاج إلى العزم والنشاط الذهني المستمر والشجاعة في جميع إشكالها وضبط النفس.. يُقال أن الفعل الحقيقي للحديث ليس فقط أن تقول الشيء الصحيح في الوقت الصحيح ولكن أيضا أن تترك الشيء المغلوط في اللحظة المغرية وكل هذا يتطلب إيماناً قوياً وإدراكاً أعمق لمعنى الحياة حتى يصل الفرد لهذا المستوى من الرقي الإنساني يجب أن لا يتأثر بأحداث الحياة ويتخذها مبررات لانحرافه وابتعاده عن غاية خلقه!… فالذي ينظر بحكمة إلى الكوارث التي تحدث حول العالم من زلازل وعواصف وفيضانات وكيف تقضي على معالم و حضارات وكيف يكون الإنسان ضعيف إزائها فحتى احدث اختراعات العالم لم تقف بوجهها؛ يصل إلى حقيقة واحدة وهي أن كل ما نتمسك به ونحارب ونقتل لأجله هو ليس ملك لنا وما الدنيا إلا طريق عابر في حياتنا نسلكه إلى حياة أخرى هي الابقى… هنا تكمن قوة إيمان الفرد بغض النظر عن دينه ومذهبه وأفكاره…

أما تطوير الذات البشرية وهذا الأهم في بناء شخصية فذة تتجلى لان تكون مثالا للآخرين؛ فهو يتطلب الحنكة و روح المبادرة والتكيف والتصرف المرح إن جميع البشر يمتلكون هذه الصفات ولكن بدرجات متفاوتة من شخص لآخر.

أما كيفية تطويرها وصقلها في شخصية الفرد فيعتمد على الكثير من العوامل تبدأ من طفولة الفرد وحتى نضوجه.. فمثلا للمعلم الجيد الذي يمارس مهنته و يحمل هدف تطوير وبناء الشخصية لدى الطالب من خلال استغلال أي موضوع على الرغم من انه بسيط جدا إلا أن له الأثر الكبير في مستقبل الفرد وتنشئته بصورة صحيحة كأن تتبنى المدرسة مواهب الطلاب الإبداعية وتطورها في كافة المجالات كأن تكون في الرسم أو الشعر أو الموسيقى ..الخ. فتطوير هذه المواهب وتنميتها سيؤدي إلى تطوير شخصيته فيصبح واثقا من نفسه و بارعا في كيفية التصرف بحكمة مع أي موقف يصادفه في حياته وإذا اهتم الأهل بهذا الجانب سيصبح الفرد قوي الشخصية عميق التفكير.. وهكذا يكون اهتمام المجتمع بالفرد بكل مراحل حياته ومتابعته حتى يكون الجزء الرصين من المجتمع الذي يُعتمد عليه في بناء الأجيال القادمة والمستقبل المشرق بثقافته وحكمته وتوازنه المتكامل…

إن الشخصية يجب أن تكون أغلى ما يمتلكه الفرد.. وان أسس العظمة البشرية لا تكمن بالمعرفة والذكاء ولكن بالشخصية.