الزيارات الدينية .. مرة أخرى

shak-204x300

الزيارات الدينية .. مرة أخرى

شاكر عبد موسى الساعدي

في شهر محرم الحرام عموماُ و العشرين من شهر صفر خصوصاً يتوافد سنوياً أكثر من  20 مليون زائر تقريباً عراقي وعربي وأجنبي , يقدر عدد الأجانب فيهم 5 – 3  مليون زائر من  60  بلداً لزيارة ضريح الأمام الشهيد في كربلاء المقدسة , الأغلبية منهم قادمة من إيران المجاورة للعراق والتي تربطها بالعراق ثلاثة منافذ حدودية جنوبية هي  الشلامجة في البصرة ومنفذ الشيب في ميسان ومنفذ زرباطية في محافظة واسط  وقد تعرضت تلك المنافذ في السنوات السابقة إلى دخول عشوائي للزوار الإيرانيين مخترقين تلك المنافذ بموجات بشرية هائلة تقدر بعشرات الألوف دون الحصول على الفيزا  التأشيرة  بسبب سوء التخطيط من قبل الجانب العراقي وإهمال الحكومة وتقصيرها الواضح في هذا المجال وتعاملهم العاطفي مع الحدث دون الرجوع إلى الجانب الأمني والاقتصادي للموضوع , وهذه واحدة من منزلقات العمل الحكومي غير المبرمج مما تسبب بتحشيد أكثر من  30 ألف عسكري لحماية الزوار , كما أن معظم الطرق الجنوبية التي تربطها بمدينة كربلاء المقدسة بجانب واحد ضيق تسبب بمقتل وجرح العشرات من الزوار , ولكثرتهم الفائضة عن الإمكانيات تقوم الحكومة بنقلهم بواسطة سيارات حمل مكشوفة أو بواسطة سيارات النقل البري , دون النظر إلى جانب السلامة والجانب الحضاري في الموضوع .

أن من يشجع الإيرانيين وغيرهم على القدوم إلى العراق حتى وأن دفعوا مبلغ التأشيرة المخفضة البالغة 30  دولاراً للشخص الواحد هو كثرة المواكب المقامة على طول الطريق التي تقدم المأكولات والمشروبات للزوار مجاناً كذلك النقل من المنفذ الحدودي إلى مركز المحافظة أيضاً مجاناً والأكل على طول الطريق مجاناً والنوم والإقامة مجانية , والكثير منهم يبقى في العراق لحين مناسبة وفاة الرسول محمد ص التي تصادف بعد خمسة أيام من الزيارة الأربعينية لتبدأ المسيرة مشياً على الإقدام مرة أخرى بشكل عكسي أي من كربلاء إلى النجف , وأيضا كل شيء مجاناً , وهذا غير موجود عند الجارة إيران عند زيارة العتبات المقدسة فيها لأنها تطبق نظاماًَ صارماً في الزيارات لديها وخاصة عند زيارة الأمام الرضا (ع) في مدينة مشهد وزيارة أخته معصومة ع في مدينة قم , أنها لا تسمح للزائر النوم في الشارع أو في خيمة وإنما في فنادق وشقق مؤثثة وبسعر مرتفع جداً يصل إلى مئة دولار لليلة الواحدة كل شيء فيها مقابل ثمن , فهناك من ينقلك خارج المدينة لزيارة أماكن سياحية ودينية مع وجود مترجم كلها مدفوعة الثمن.. نعم ينقصنا التنظيم لإدارة هكذا زيارات مليونية تبدأ من الفيزة وانتهاء بالسكن والمأكل لان الزيارة هي أدارة مرافق سياحية وليس مأتم لتناول الأكل والشرب وكأنها دعوة شخصية لتناول وجبة طعام تنتهي بانتهاء الوقت … العراق اليوم يمر بأزمة مالية خانقة دفعت الحكومة المركزية للاقتراض من الخارج وتشريع قوانين تقشفية مردها السلبي على الموظف الحكومي والمتقاعدين بالدرجة الأولى , مما يستوجب جني ثمار الزيارات الدينية لرفد الموازنة بمبالغ طائلة وليس التبذير بالطعام المجاني الذي يؤدي إلى ارتفاع أسعار الفواكه والخضر في السوق العراقية نتيجة الإسراف بالمأكولات والمشروبات والمباهاة بتوزيعها في الشوارع والطرقات وكلها مستوردة من الخارج وخاصة من الجارة إيران وبالتالي الضغط على البنك المركزي لبيع الدولار وخروجه من السوق العراقية لشراء المواد الغذائية مرة أخرى وهكذا يدور الاقتصاد العراقي في حلقة مغلقة تستنزف قدراته المناسبات الدينية غير المبرمجة, أؤكد مرة أخرى يجب أن تكون الزيارة المباركة مصدر تموين ورفد للاقتصادي العراقي وليس مصدر إنقاص وتبذير في سوقه المتهاوي, وكما قال الفيلسوف الأندلسي ابن رشد  التجارة بالأديان هي التجارة الرائجة في المجتمعات التي يعم فيها الجهل  .

فالسعوديةً وبعد خضوعها لـ – قانون جاستا – الخاص بتعويض متضررين أحداث 11 سبتمبر/ أيلول عام 2001 فإنها ملزمة بدفع مبلغ ثلاثة تريليون دولار كتعويضات عن الأبراج الثلاث المدمرة و 10  مليون دولار تعويضات لكل شخص قتل وبذلك المطلوب منها تسديد مبلغ 4  تريليون دولار إضافة إلى تعويض المصابين وعلاجهم , وهناك أصول سعودية في أمريكا مهددة بالعقوبات تقدر بـ  750 مليار دولار.. ومن المتوقع أن ترفع رسوم الحج والعمرة على الوافدين أليها كأجراء احترازي من الإفلاس المالي وبذلك تكون قد سددت جزء كبير من الديون والتعويضات من مواسم الزيارات المليونية إليها .

أما العراق فهو مدين بمبلغ يقدر 100  مليار دولار لصندوق النقد الدولي وأمريكا وبريطانيا واليابان وغيرها حتى ألان بسبب اعتماده على النفط كممول رئيسي لخزينة الدولة الذي تهاوت أسعاره مؤخراً وضعف الإيرادات من القطاعات الأخرى بما فيها السياحة الدينية … ولأغراض تنظيمية ولتعظيم الموارد المالية للبلد أرى أن تعطي الفيزة للراغبين بزيارة العتبات المقدسة في المناسبات الدينية الكبرى قبل الزيارة بفترة معقولة وبمبلغ مئة دولار للشخص الواحد مع الأخذ بعين الاعتبار تأسيس شركات نقل خاص يسمح لها باستيراد سيارات نقل ركاب كبيرة الحجم بعد إيقاف الاستيراد العشوائي للسيارات الخصوصي, وذلك لنقل الزوار من المنافذ الحدودية إلى النجف الاشرف أو كربلاء المقدسة , حيث تقوم تلك الشركات بمرافقة الزائرين أثناء الزيارة وأعادتهم إلى تلك المنافذ مرة أخرى , وعليها أيضا توفير الجانب الأمني لهم أثناء التنقل بواسطة شركات أمنية متخصصة بدل أشغال أجهزتنا الأمنية والحشد الشعبي التي يجب أن تتفرغ لمقاتلة داعش وأخواتها مغول العصر , على أن تقوم تلك المنافذ الحدودية بالتنسيق مع وزارة الداخلية لبناء ساحات وقوف سيارات واسعة المساحة وإعطائها لأحد المستثمرين تكون ذات طابع حضاري متطور وليس ساحة في مهب الريح , وعلى تلك المنافذ توسعة قاعاتها لاستيعاب الإعداد المتزايدة من الزوار ولا بأس ببناء عشرة قاعات كبرى وفق مواصفات عالمية ورفدها بالأجهزة الحديثة مع بناء سكة حديد تربط تلك المنافذ بمركز المحافظة أو بكربلاء مباشرة, ومن الممكن بناء مطار محلي صغير في كل منفذ لنقل الزوار إلى النجف ومن ثم بدء المسيرة الراجلة للراغبين بذلك , كلها تنفذ بطريق الاستثمار المحلي أو الخارجي .

أن دور الحكومات المحلية في هذا المجال محدود ولا يتعدى أخذ الرسوم من السيارات التي تنقل الزوار في المنفذ فهي حكومة جباية وليست حكومة هداية لترفد بها – صندوق تعظيم الواردات – الخاص بها, كذلك لا يوجد دور يذكر لمديريات الوقف الشيعي في المحافظات الجنوبية وهي شبه نائمة , وكما قال المفكر الإيراني الكبير علي شريعتي  1933- ..1977 أني أعجب من أناس يرزحون تحت سياط الظلم والتعسف ويبكون حسيناُ .. الحسين عاش حرا ومات حرا .

الموصل قبل التحرير وبعده