(الزمان) يا ملك الزمان – مقالات – عبد عون الروضان

(الزمان) يا ملك الزمان  – مقالات – عبد عون الروضان

   خمسة آلاف عدد رافقتها منذ الأعداد الأولى وساهمت فيها بالقصة والمقالة والترجمة عن الفرنسية والإنكليزية أعانتني في تلك الظروف الصعبة دون أن يلزمني أحد بأي مقابل . وبعد التغيير استمر تواصلي مع جريدة (الزمان) من خلال الزميل والصديق الدكتور أحمد عبد المجيد الذي عرفته منذ السبعينات وقد دعاني للتحكيم في المسابقة التي أقامتها (الزمان) في بغداد إحياء لذكرى الشهيد عزيز السيد جاسم ، وقد حضرت الاحتفالية مع الصديق ناطق خلوصي والصديق رزاق إبراهيم حسن مسؤول الصفحات الثقافية الذي رافقني غربتي في عمان وعشنا أشهرا تحت سقف واحد .

    عشرات الأدباء والفنانين والمثقفين كنت ألتقيهم في مكتب (الزمان) في عمان كنا نتبادل أحاديث الغربة والبعد عن العراق ، نسلم نتاجاتنا الأدبية والثقافية ونستلم مكافآتنا التي كانت خير سند لنا لسد الرمق وإسعاف عوائلنا التي تنتظر في العراق على أحر من الجمر تحت نير الحصار الوطني الجائر .

    مرة طرقت باب المكتب ودخلت وكانت الموظفة المسؤولة تتكلم عبر الهاتف الأرضي ، سمعتها تردد اسم  الأستاذ سعد فقلت لها أبلغيه تحياتي فأشارت لي الموظفة إنه يريدك فسلم علي سلاما حارا وسألني عن الأهل في بغداد واستعاد عملي معه في تلفزيون العراق ، سألني عن بعض الأصدقاء والمعارف ثم سألني عن أوضاعي في عمان وفيما إذا كنت بحاجة إلى شيء فشكرته .

   كانت الحرب الثالثة تشمر عن ساعديها وتتأهب لذبح العراق فرأيت أن أذهب إلى مكتب الجريدة لألقي كلمة الوداع على من أجده من الأصدقاء والمعارف وأنا لا أدري بما يخبئه القدر . ضغطت على الجرس ففتحت لي الموظفة الباب وعندما دخلت وسلمت عليها رأيتها تختفي في عمق المكتب ثم حدث ما لم أتوقعه أبدا رأيت الأستاذ أبا الطيب يخرج لي مسرعا ويحتضنني وهو يسألني عن صحتي وأحوالي وأنا الذي لم أره منذ سنوات ثم يقودني من يدي إلى مكتب داخلي ، أجلسني إلى جانبه وبدأ يسألني  عن أخبار الأهل في بغداد وتوقعاته بشأن الحرب التي باتت وشيكة القيام بزيارتها الكريهة إلينا ثم أعطاني بعض منشورات مؤسسة الزمان بعدها طلب الموظفة وأملى عليها قائمة بأسماء بعض الأصدقاء وأنا منهم ومقابل كل اسم مبلغ بالدولار وطلب مني أن أحضر غدا لاستلام المبلغ وإيصاله إلى الأصدقاء في بغداد .

    وفي اليوم التالي ذهبت الى المكتب  واستلمت المبلغ وكان كبيرا بالنسبة لي وخفت كيف سأوصله إلى الأصدقاء في بغداد .

   وجاء الخميس الذي يسبق انتهاء الإنذار الذي وجهته أمريكا لضرب العراق، و قد عقدت العزم على أن أسافر إلى بغداد وسط استغراب الأصدقاء الأردنيين الذين عجبوا لسفري إلى بغداد في حين أن الآلاف يفرون من مواجهة المصير المجهول وكنت أقول لهم أريد أن أموت بين أولادي وأهلي فذلك خير لي من البقاء هنا لأكون عرضة للكوابيس المزعجة التي قد تؤدي بي إلى ما لا يحمد عقباه   ، وكنت أتساءل في داخلي كيف إذا فتشوني في الطريق ووجدوا ذلك المبلغ الكبير من الدولارات  بحوزتي لكن شيئا من هذا لم يحدث والحـــــــــــمد لله .

وصلت بغداد بسلام وعجبت إذ كانت الأمور طبيعية . وكان الأهل بخير وفي اليوم التالي اتصلت بالأصدقاء المعنيين بالأمر ودعوتهم إلى بيتي وسلمتهم مكافآتهم وكانت الحرب قد وقعت والتغيير قد حصل وأطيح بالتمثال قي ساحة الفردوس وخرج الناس إلى الشوارع يحتفلون .

   مرت الأيام وعلمت أن الأستاذ سعد البزاز قد جاء إلى بغداد وأنه اتخذ من مكاتب الأديب البغدادية مقرا له فتوجهت إليه ، عند الباب قال الموظف بعد أن عرّفته  بنفسي : الأستاذ ينتظرك ، دخلت وسلمت عليه فقام مصافحا وأجلسني إلى جانبه وقال لي أنت فدائي حقا وحكى للحاضرين تكليفي بإيصال مبلغ من المال بالدولارات إلى بعض الأصدقاء في بغداد وكان في ذلك مغامرة حقيقية كما قال .

   الكثير من الأصدقاء والزملاء كنت ألتقيهم في مكتب الجريدة قي عمان أذكر منهم الأساتذة كاظم الحجاج و جاسم عاصي وناجح المعموري ورزاق إبراهيم حسن والراحلان عبد الستار ناصر وهادي الربيعي وغيرهم كثير ومن الأصدقاء الأردنيين الراحل مؤنس الرزاز..

وأخص بالذكر من الذين يترددون على دار الزمان في عمان الأستاذ الراحل محمد مبارك الذي كلف لبعض الوقت بإدارة مكتب الجريدة في عمان ، كنا نجتمع إليه ونحن نسلم نتاجاتنا أو نستلم مكافآتنا وكان يستقبلنا بحفاوة وترحيب يسألنا عن أوضاعنا وعن الأهل في العراق وكنا نتجمع حول مكتبه فيروح يحدثنا حديثا شيقا في اللغة والثقافة وحين أستأذن وأطلب الانصراف يصر على أن يوصلني حتى الباب الخارجي للجريدة وحين يرى الحرج باديا على وجهي يقول لي بابتسامة عريضة : هذا أحسن ليروا مدى صدق علاقتنا وكان يفعل ذلك مع الجميع دون ريب فليرحمك الله تعالى يا أبا حيان .