الزمان.. عنوان وطني للبلاد

د. فاتح عبدالسلام

تجربةُ‭ ‬صحيفة‭ ‬‮«‬الزمان‮»‬‭ ‬لا‭ ‬تشبهها‭ ‬تجربةٌ‭ ‬صحافية‭ ‬أخرى‭ ‬في‭ ‬البلاد‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬المحيط‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬خلال‭ ‬مشهد‭ ‬الاعلام‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬قائماً‭ ‬وظهرت‭ ‬فيه‭ ‬‮«‬الزمان‮»‬‭ ‬الى‭ ‬الوجود،‭ ‬لأنّها‭ ‬لم‭ ‬تولد‭ ‬كحبر‭ ‬يسوّد‭ ‬الأوراق‭ ‬المستهلكة‭ ‬أو‭ ‬كرقم‭ ‬مندثر‭ ‬بين‭ ‬الأرقام‭ ‬المضافة‭ ‬لواجهات‭ ‬شركات‭ ‬او‭ ‬اقطاعيات‭ ‬سياسية‭. ‬كانت‭ ‬‮«‬الزمان‮»‬‭ ‬منذ‭ ‬انطلاقتها‭ ‬في‭ ‬لندن‭ ‬العام‭ ‬‮١٩٩٧‬‭ ‬تتفرد‭ ‬بحمل‭ ‬رسالة‭ ‬التعددية‭ ‬والانفتاح‭ ‬والتنوير‭ ‬والجمال‭ ‬وعدم‭ ‬الاقصاء‭ ‬والجرأة،‭ ‬عبر‭ ‬عيون‭ ‬مفتوحة‭ ‬لا‭ ‬تغمض،‭ ‬متطلّعة‭ ‬الى‭ ‬ذلك‭ ‬الوطن‭ ‬الحلم،‭ ‬الوطن‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يقبل‭ ‬التجزئة‭ ‬والاختطاف‭ ‬والانفراد‭ ‬والاستقطابات‭ ‬والصفقات‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تنطبع‭ ‬بها‭ ‬معظم‭ ‬الفعاليات‭ ‬والقوى‭ ‬السياسية‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬الظل‭ ‬بالخارج،‭ ‬وحملتها‭ ‬معها‭ ‬في‭ ‬أزمان‭ ‬لاحقة،‭ ‬حين‭ ‬أصبحت‭ ‬تحت‭ ‬وهج‭ ‬السلطة‭ ‬والثروة‭. ‬

ذلك‭ ‬الطريقُ‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬‮«‬الزمان‮»‬‭ ‬مَن‭ ‬ابتدعه‭ ‬أو‭ ‬اخترعه‭ ‬أو‭ ‬شقّه،‭ ‬فهو‭ ‬موجود‭ ‬منذ‭ ‬الخليقة‭ ‬الأولى،‭ ‬ولكن‭ ‬قلَّ‭ ‬سالكوه‭ ‬لأنّه‭ ‬طريق‭ ‬موحش،‭ ‬يقلّ‭ ‬فيه‭ ‬المخلصون‭ ‬والمؤازرون‭ ‬إلاّ‭ ‬مَن‭ ‬كان‭ ‬صادقاً‭ ‬وقوياً‭ ‬في‭ ‬خصائله،‭ ‬وأولئك‭ ‬مَن‭ ‬كوّنوا‭ ‬الحصيلة‭ ‬القوية‭ ‬والساندة‭ ‬والمؤثرة‭ ‬لاتجاه‭ ‬الصحيفة‭ ‬ونبوغها‭. 

وحتى‭ ‬هذه‭ ‬اللحظة‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬‮«‬الزمان‮»‬‭ ‬تكابد‭ ‬أحياناً،‭ ‬سوء‭ ‬الفهم‭ ‬والاعتراض‭ ‬وحبائل‭ ‬المغرضين‭ ‬وأغلبهم‭ ‬من‭ ‬نتاج‭ ‬دكاكين‭ ‬السياسة‭ ‬المظلمة‭ ‬والرخيصة،‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬كلّ‭ ‬تلك‭ ‬الجماهيرية‭ ‬والنخبوية‭ ‬الواسعة‭ ‬والعميقة‭ ‬معاً‭ ‬التي‭ ‬تتمتع‭ ‬بها‭ ‬الصحيفة،‭ ‬وهي‭ ‬توشك‭ ‬على‭ ‬الوصول‭ ‬الى‭ ‬ربع‭ ‬قرن‭ ‬من‭ ‬عمرها‭ ‬المديد،‭ ‬ذلك‭ ‬انّها‭ ‬صحيفة‭ ‬للحياة‭ ‬في‭ ‬تجدّدها‭ ‬وتعدّد‭ ‬طبقات‭ ‬الاتجاهات‭ ‬والوعي‭ ‬وألوان‭ ‬الأطياف‭ ‬فيها‭. ‬

بعد‭ ‬هذه‭ ‬الأعوام‭ ‬الطويلة‭ ‬من‭ ‬ظهور‭ ‬‮«‬الزمان‮»‬،‭ ‬اختفت‭ ‬أو‭ ‬انتكست‭ ‬أو‭ ‬انحسرت‭ ‬صحف‭ ‬عربية‭ ‬كثيرة،‭ ‬وشاهدنا‭ ‬كيف‭ ‬نزلت‭ ‬دولٌ‭ ‬بثقلها‭ ‬من‭ ‬اجل‭ ‬انقاذ‭ ‬صحيفة‭ ‬غارقة،‭ ‬هنا‭ ‬أو‭ ‬هناك،‭ ‬في‭ ‬بحر‭ ‬عاصف‭ ‬الموج،‭ ‬لم‭ ‬تسلم‭ ‬منه‭ ‬‮«‬الزمان‮»‬‭ ‬ايضاً،‭ ‬لكنها‭ ‬قاومته‭ ‬عبر‭ ‬نخبتها‭ ‬الإعلامية‭ ‬التي‭ ‬تديرها‭ ‬بتفان‭ ‬مخلص‭ ‬للمهنة‭ ‬الصحفية‭ ‬كحُب‭ ‬أولاً‭ ‬وآخراً،‭ ‬ولم‭ ‬تكن‭ ‬لدى‭ ‬فريق‭ ‬انتاجها‭ ‬وتحريرها،‭ ‬عملاً‭ ‬وظيفياً‭ ‬تقليدياً‭ ‬كما‭ ‬حصل‭ ‬مع‭ ‬آخرين‭ ‬وتسبب‭ ‬في‭ ‬انتكاستهم‭. ‬وكلّ‭ ‬ذلك‭ ‬يرتبط‭ ‬مباشرة‭ ‬برؤية‭ ‬الأستاذ‭ ‬المبدع‭ ‬سعد‭ ‬البزّاز‭ ‬مؤسس‭ ‬الصحيفة‭ ‬ومُسمّيها‭ ‬وراعيها‭ ‬منذ‭ ‬الولادة‭ ‬والفتوة‭ ‬والشباب‭ ‬من‭ ‬حياتها،‭ ‬وباني‭ ‬مؤسستها‭ ‬الكبيرة،‭ ‬التي‭ ‬رافقت‭ ‬انطلاقتها‭ ‬مجلة‮»‬‭  ‬الزمان‭ ‬الجديد‮»‬‭ ‬السياسية‭ ‬المنوّعة‭ ‬الشهرية،‭ ‬ومركز‭ ‬‮«‬دراسات‭ ‬الزمان‭ ‬الاستراتيجية‮»‬،‭ ‬ومجلة‮»‬‭ ‬ألف‭ ‬ياء‮»‬‭ ‬المعنية‭ ‬بالمنتخبات‭ ‬الثقافية‭ ‬والابداعية‭ ‬والفكرية‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬فصل،‭ ‬ومنشورات‮»‬‭ ‬كتب‮»‬‭ ‬الزمان‭. ‬

لقد‭ ‬ساعد‭ ‬تطور‭ ‬شبكات‭ ‬الانترنت‭ ‬الذين‭ ‬في‭ ‬قلوبهم‭ ‬مرض‭ ‬الشهرة‭ ‬والمنافسة‭ ‬غير‭ ‬الشريفة‭ ‬لكي‭ ‬يضيفوا‭ ‬الى‭ ‬أنفسهم‭ ‬رصيداً‭ ‬رجراجاً‭ ‬أو‭ ‬وهمياً‭ ‬من‭ ‬أعداد‭ ‬القراء،‭ ‬لكي‭ ‬يتقدموا‭ ‬لوائح‭ ‬تسلسل‭ ‬المواقع‭ ‬الإخبارية‭ ‬والصحفية‭ ‬هنا‭ ‬وهناك،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬فشلوا‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬يكونوا‭ ‬قِبلة‭ ‬كالزمان‭ ‬لعيون‭ ‬النُخَب‭ ‬السياسية‭ ‬والفكرية‭ ‬والثقافية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬والرياضية‭ ‬الراقية‭ ‬بمَن‭ ‬فيهم‭ ‬أصحاب‭ ‬القرار،‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬بلدنا‭ ‬الحبيب‭ ‬فحسب،‭ ‬ذلك‭ ‬أنَّ‭ ‬‮«‬الزمان‮»‬‭ ‬كانت‭ ‬بوصلة‭ ‬عالية‭ ‬المقام‭ ‬ودقيقة‭ ‬الدلالة،‭ ‬عبر‭ ‬ترجمة‭ ‬المُنتخب‭ ‬والمهم‭ ‬من‭ ‬منشوراتها‭ ‬اليومية‭ ‬أمام‭ ‬عيون‭ ‬دولية،‭ ‬واستشهد‭ ‬زعماء‭ ‬سياسيون‭ ‬ومواقع‭ ‬إعلامية‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وأوروبا‭ ‬والعالم‭ ‬العربي‭ ‬بما‭ ‬قالت‭ ‬به‭ ‬‮«‬الزمان‮»‬‭  ‬من‭ ‬رؤى‭ ‬وتحليلات‭ ‬وتقارير‭ ‬وأخبار،‭ ‬في‭ ‬أحداث‭ ‬تاريخية‭ ‬يمرّ‭ ‬بها‭ ‬العراق‭. ‬إنَّ‭ ‬هذه‭ ‬الحصيلة‭ ‬الثرية‭ ‬الصعبة،‭ ‬لم‭ ‬تأتِ‭ ‬من‭ ‬مكاتب‭ ‬وثيرة‭ ‬أو‭ ‬أموال‭ ‬مُغدَقة‭ ‬أو‭ ‬إمكانات‭ ‬نشر‭ ‬كبيرة،‭ ‬لاتزال‭ ‬تعاني‭ ‬الصحيفة‭ ‬من‭ ‬نقصها‭ ‬كلها،‭ ‬لكنها‭ ‬حصيلة‭ ‬تنبثق‭ ‬من‭ ‬دقة‭ ‬البوصلة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬‮«‬الزمان‮»‬‭ ‬منطبعة‭ ‬بها‭ ‬منذ‭ ‬ظهور‭ ‬عددها‭ ‬الأول‭. ‬

‮«‬الزمان‮»‬‭ ‬ليست‭ ‬صحيفة‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬الصحافة‭ ‬المتجددة‭ ‬فحسب،‭ ‬وانما‭ ‬هي‭ ‬عنوان‭ ‬وطني‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تجاهله،‭ ‬وما‭ ‬أعمق‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬صحيفة‭ ‬بتاريخ‭ ‬ربع‭ ‬قرن‭ ‬مشيد‭ ‬بتعب‭ ‬أقلام‭ ‬اعلام‭ ‬وجنود‭ ‬مجهولين،‭ ‬عنواناً‭ ‬جامعاً‭ ‬وحصيناً‭ ‬ومنيراً‭ ‬للبلاد‭. ‬

رئيس التحرير-الطبعة الدولية

fatihabdulsalam@hotmail.com