
جهاز المخابرات .. هو الجهاز العصبي للدولة – حسن العلوي
من بيئة المزايدات او الإحاسيس الصادقة لإهل الأدب والشعر والثقافة، الذين يكثرون الشكوى من المخابرات ورجالها، ليؤكد بعضهم مقولة او شبه نظرية او قاعدة في المنطق السياسي ان الأديب لا يكون مناضلا ما لم يكن ملاحقا من المخابرات، ولهذا يسعى بنو قوم العاملين في مهنة الحرف الى القناعة بروايات قد تكون صحيحة، وقد لا تكون عن اقدام تجري خلفهم والات تسجيل مزروعة في مكاتبهم ليخلصوا في النهاية الى القول انهم في اعلى مراكز النضال الوطني.
في تجربتي الشخصية وسيرتي الذاتية التي تبدأ مع العام 1954 حتى هذه الساعة من عام 2017، لا اذكر مرة شكوت من ملاحقة في مقال او كتاب او محاضرة، رغم تعرضي لإعتقالات بدأت منذ ذلك العام الذي كانت السياسة العراقية تؤسس فيه لعقد حلف بغداد بعد الحلف التركي الايراني العراقي، واعتقال المحتجين عليه ومرورا باعوام 1959 و1961 و1964 حتى عام 1980، مكتفيا بالحديث عن الجانب الاجتماعي والتوثيقي في المعتقلات التي مررت بها مع عشرات غيري، وكنت كلما خرجت من معتقل اثنيت على رجاله لإنهم كانوا سجناء مثلنا، ولإنهم لم يتصرفوا لما يسيئ لكرامتنا حتى انني وبعد خمسة عشر عاما كتبت مقالا في رثاء (المقدم ظاهر بابان) امر المعتقل بعد ان بلغني خبر وفاته فأثنيت عليه ثناء يستحقه، واذا به في اليوم التالي يأتي الى المكتب ويقول اني ما زلت حياً، ولم اتوقع ان يذكرني بخير رجل اعتقل وهو شاب في الثكنة الحجرية لمدة عام وانا سجانه.
معذرة لهذا الاستطراد وعذري انه حجة يمكن ان تقدم لزملاء او ادباء كبار ما زالوا يصبون على المخابرات حمما وهم لم يلتقوا بأحد منهم.
لابد من مفهوم وطني لمعنى المخابرات، وهو ما فعله المصريون في مسلسل رأفت الهجان الذي تحول الى بطل قومي، وها هو رجل المخابرات السوفيتية يقود دولة روسيا النووية، ويصوغ قراراتها ويخطو بها نحو النمو والتقدم العلمي والاجتماعي والاقتصادي.
ان الدول بلا أجهزة امنية واستخبارية تتحول الى ارض مستباحة، ترعى فيها قطعان الجواسيس والمختلسين والفاسدين .
فرجل المخابرات هو العصب السري النازل من الدماغ الى القدم، بل هو الجهاز العصبي كاملا لاية دولة في العالم، واذا كانت تصرفات أجهزة معينة في مرحلة معينة قد تحولت من المفهوم الوطني الى دور تنصرف فيه لتعذيب معارضي السلطة، يجب ان لا تتحول ظاهرة شاذة الى قانون وطني، فالواجب الاساس في اجهزة الامن والمخابرات حماية البشر وحريتهم واموالهم واعراضهم وحماية البلد من الفساد والتجسس وسواهما.
ولهذا فالدول تختار لتلك المؤسسات رجالا لا ينتمون للحزب الحاكم الا في الدول العقائدية، وهؤلاء ينتمون دائما على مقاصل الاعدام سواء من قبل سلطتهم ذاتها ام بسلطة انقلابية تحكم عليهم بهذا العقاب .
هذا يحدث في الدول الايديولجية الثورية التي انتهى عصرها واَن تنتهي هذه الاحكام الجائرة والنظرة الخاطئة الى الاجهزة الامنية الاستخبارية في البلد.
واذا كان لوزارة الدكتور حيدر العبادي من انجاز ينتمي الى عالم الوطن الفسيح، فأنها اختارت رجلا مستقلا لإدارة هذا الجهاز، ولايمكن للمتحزب ان يقود بطريقة سليمة ومحايدة جهازا ضاربا كالمخابرات، ولهذا ينتهي رؤساء المخابرات في العراق على منصات الموت، وهذا يفسر كيف اصبح العراق البلد الاكثر في الدول الحديثة اعداما ليس فقط لمعارضيه، بل لرجال قادوا الادارة الامنية والاستخبارية بطريقة حزبية خارج المهمات الوطنية لإجهزتهم. وفي ارشيفنا الامني لم تصل قائمة المحكومين بالاعدام ليس فقط من المعارضين، بل ممن كانوا سبباً بالحكم في الاعدام على اولئك المعارضين .
هكذا اعدم بحق او ظلم بهجت العطية وسعيد القزاز ومدير الامن في عهد الزعيم عبد الكريم، عبد المجيد جليل وناظم كزار وفاضل البراك، ولهذا ان اختيار الشخصيات المستقلة لإدارة هذه المهمة سيوفر لأي بلد، ليس حياة امنة للناس فحسب، بل حياة امنة لرجل المخابرات ذاته.
ان من المستغرب ان يكون الجهاز المكلف بحماية القانون يفتقر الى قانون يحميه . وادعو مجلس النواب الى سرعة اصدار قانون جهاز المخابرات الوطني لتنظيم مسؤولياته ولتأمين حياة الناس وحقوق العاملين فيه، وعدم المماطلة وتسويف الزمن في وقت يحتاج فيه العراق الى دقيقة امن امنة .
ان مهمتنا الاعلامية ينبغي ان تستدير نحو هذا الجانب او هذا التطور في اختيار المستقل لإدارة القضاء والأمن وبدونهما لا يخرج العراق من وحل الموت.
أربيل
















