الرومانسية وتغيّر بنية إدراك الشعر

تزامناً مع رحيل مجيد الموسوي

الرومانسية وتغيّر بنية إدراك الشعر

جبار النجدي

يكتب الشاعر مجيد الموسوي نصوصه في مجموعته (لتأخذني اقدامي حيث تشاء) بحركة معكوسة ، فهو ما يزال ممسكاً بزمام الاسى الرومانسي ، وكأن (الرومانسية) ما برحت في عِز نهوضها في وقت تغيرت فيه بنية ادراكنا للشعر ، وأصبحنا لا نجد عناء في البرهان على ان الشعر لا تنجزه القوالب الجاهزة التي لا تؤلف مصائر الاخرين بقدر ما تشير اليها ، ولكن ما يستحق الانتباه في هذه المجموعة هو ان النصوص تمتلك نُبلاً وصفاء ووقعاً شعرياً عالياً متخذة مسالك الشكل الصعب في خرق صلابة العقلاني وجديته ، وهي بهذه الصورة انما تمثل مفهوماً شعرياً له افق بعينه على الرغم من محدوديته ، وبجميع الاحوال فأن الدلالة في النصوص تتحرك في مجهول الكلمات وليس في معانيها ، عبر مشاهد مسرودة بكثافة الشعر ، واكتشافات مرهونة بالتذكر الناجم عن سيلان الذاكرة ، حيث تبدو الدلالة اقوى واظهر وبعيدة عن ممكنات التأويل يقابلها البحث عن اوجه الحكمة في اغراض الشعر وتقديمها في صياغات ناجزة عبر دلالات المعنى الواحد ، فيما يحضر المكان بما يمتلك من ماض مثقل بأحداث ارتبطت باخيلة وذكريات بعينها ، وبموجب صياغات شعرية لا تجد الى التطويل سبيلاً ، فكل شيء يحدث بعدد من الاسطر الشعرية التي تظهر بسرعة التماع البرق ووميض اللغة المسرعة والتي تضع الانسان في يد الصدفة ونزواتها ، وهي طريقة سلكها الشاعر في النظر الى الوجود والعالم وتجسدت في رؤى الموت والحياة الحافلة بأعاجيب المشاعر الوجدانية التي تعيد ابتكار حالة الضياع مرة تلو اخرى للحد الذي يوهمنا بأن الشعر هو حدث وجودي بالدرجة الاساس وشكل من اشكال العدمية المقترنة بالوان من الاسى ، الموصول بالفاجعة لدرجة نظن فيها أن الموت قد تنازل ليصبح شعراً :

كيف انسرب الليل بعيداً ،

كيف انكشف الفجر

ولم يدركني الموت

استيقظ احياناً

منتصف الليل

لأبكي ايامي ، مرتعباً

الليلة اسهر وحدي مأخوذاً

وأفكر في الاموات !

انتهاك السائد

وعلى الرغم من ان نصوص مجيد الموسوي لا تتحرك بعيداً عن انتهاك السائد والمألوف ، لكنها تجري عبر مقاطع متناسقة وانيقة ، في الوقت الذي تشير على الدوام الى ما هو نهائي ومكتمل مستحضرة أزماناً يصعب حضورها ، وهي سمة تضاف الى سماته المتمثلة بالاشتغال على مقاربة الاضداد وعدم الشعور باليقين تجاه اي شيء :

لم اعدْ  انتمي لأحد

انني كائن يتقلب مثل الفصول :

ان الحضور الشاسع للاسى والفجيعة في نصوص المجموعة يعرض لنا جملة من اشكال المبالغة والمناجاة الذاتية ، التي من شأنها صياغة النصوص باشكال من المراثي الحافلة بموت الاحداث والذكريات ، تلك التي تنسخ مظاهر الاشياء وتحيلها عدماً وظلالاً ورحيلاً ، بل ان كل شيء يتراءى بلا معالم ، ثم ان عالم الظواهر يتماهى هو الاخر مع تصورات الشاعر المتشككة التي تسيء الظن بالاشياء كلها :

وما نتذكره الآن

ننساه غداً

وحتى الاصدقاء

سيكفون عن زيارتنا

في الاحلام

ان شبح الموت في نصوص مجموعة مجيد الموسوي مخبوء في كل لحظة زمنية نعيشها ، بل اننا لا نستطيع ان نتصور الحياة بدونه ابداً ، وعلى وفق اشتغالات تتخذ مكان  الذروة من الوضوح ، ما يعني انه يعكس ميلاً نحو الكتابة الشعرية الخالية من حق مشاركة القارئ وتعددية الاستجابة لديه ، فالنص في مجموعة الموسوي هو نفسه في كل الاوقات ، وهو الى ذلك نوع لا يتواصل إلا مع نفسه ، او بما هو ماثل في الذاكرة الشخصية وبحدود تدابير الاقدار التي ترفد حس الفجيعة وتديم نهاياتها الصادمة :

ما عدت ابصره :

ربما مات

او جنّ

او فرّ

وبما ان الشعر هو وسيلة للكشف ومزيد من الرغبة في التحليق فلا بد له اذاً من ان يعطي الدهشة للشيء المنظور عبر مديات التخييل الذي هو لحظة الاختلاف عما هو معاش ، لكن ما نجده في نصوص المجموعة هو طائفة من المعاني التي تمثل كيانات ملموسة وعيانية لا تتميز بخصائص الامتاع التخييلي المنظور اليه من الوجهة الدلالية لا الوصفية ، وبالتالي فأن المرئي لا يلامس سرية المخفي في النصوص التي لا تنفصل عن سياقها الواقعي ، وبموجب ذلك فأن الاشتغال الشعري لدى مجيد الموسوي من شانه ان يفرّغ النص من ضبابية المجاز وكثافة المشهد الشعري ، غير المحكوم بمنطق بعينه بوصفه يمتلك عدداً من الافتراضات والتضمينات بل ان الشاعر لم ير بأساً من جعل دلالات القول الشعري ليست شيئاً آخر سوى نفسها :

كيف هبطت من السفح

الى السهل

وضيعني لهوي

وبراءة

قلبي

في الطرقات :

من هذه الرؤية نلاحظ ان النصوص لا تسعى ابداً الى احلال الغريب محل المعتاد إذ لا تختفي الفوارق والحدود بين الواقعي والمتخيل الذي من شأنه اختزال اللحظة الانسانية ، وهي خاصية لا غنى عنها في الاشتغالات الشعرية الناجمة عن سياقات جديدة في الكتابة استناداً الى ان الشعر لا يتجدد من دون امكانية نسيان صياغاته المتداولة ، ولاسيما ان ما تطرحه النصوص يفترض  ان يكون شيئاً لا متوقعاً ، .. شيء بوسعه ابتكار طريقة اخرى في قول الشعر .