أحمد خلف بين تسارع الخطى وقوة الالغاء
الرواية وسيلة ضد النسيان – اضواء – ايناس البدران
تقول الرواية شيئا لا تقوله الا الرواية ، فهي وسيلتنا ضد النسيان وهي بمعانيها الواسعة تمثل العالم العياني للحياة والانسان في رحلة صراعه وبقائه وهي بهذا المعنى تشكل بحثا وراء الآدمي الذي استلبته الحروب والاطماع وهيمنة وجبروت الاقوى حتى حولته الى مجرد رقم على لائحة انتظار طويلة او ترس في آلة صماء من السهل استبداله .
واذا كان البطل في الاساطير والروايات الكلاسيكية هو ذلك الفارس الذي يصارع الاعداء والوحوش وينتصر ، فان بطل اليوم هو الذي يكافح من اجل البقاء على قيد الحياة ويواجه بمفرده صراعاته الداخلية او مع كائنات جشعة وبشعة وقدره الصمود حتى النهاية . هذا ما جسدته شخصية البطل عبد الله في رواية ” تسارع الخطى ” للروائي الكبير احمد خلف .
ولعل الفنان المثقف عبد الله كان يبحث عبثا عن حياة هادئة تتعرى من الزيف في عالم يدعي الحياة وهو الذي يعاني ازمة منتصف العمر ولما يزل يعمل موظفا بسيطا بإحدى الدوائر الثقافية بمرتب شهري لا يكاد يسد الرمق بانتظار ان يحالفه الحظ يوما فينجح في كتابة رواية او مسرحية تحظى برضا لجنة التحكيم ، وبتجسيد دور هاملت لشكسبير ذات حلم على خشبة مسرح .
وهو الذي ” دائما كان يدفع نفسه للرضا عن افعاله او ما يقوم به من اعمال حتى لو جاءت في خدمة الاخرين ” ويصف نفسه بقوله :
-انا خلقت للفن
مؤكدا عزلته واغترابه اذ يقول :
-ان اشخاصا لهم الحساسية المفرطة مثلي لا يمكنهم الانسجام مع الاخرين . ليخلص ان الفن هو المصحة المناسبة لأمراضنا وعللنا التي ابتلينا بها منذ تفتحت عيوننا .و عبر انثيالات افكاره يتساءل .. هل ينقذه الفن من ورطته ؟ ورطته بسبب موعد تحول الى رصد واختطاف اسلمه الى حالة لا توصف من الخوف والهلع ملقى في مكان مجهول منسلخا عن العالم الذي يعرفه ليظل يعيد شريط حياته وتفاصيل ذكرياته ويدير عشرات الصور في رأسه وهو يصارع الحيرة في متاهة مظلمة محاولا بعقل انهكه التفكير ربط الخيوط الواهية ببعضها. في خضم الصراعات تتكشف حقائق وتتبلور رؤى لا يكشفها الانسان الا في لحظات الخطر والازمة تلك التي تضعه في مواجهة صارخة وصريحة مع نفسه لتخرس سائر الوقائع الاخرى ، تسقط الاقنعة الشمعية ,هنا يكتشف الانسان قوته الكامنة ويستنفر شجاعته المخبوءة تحت ركام اوهام ومخاوف كبلته في ما مضى ما يمنحه القدرة على مقاومة الهوان والصعاب واستعادة كل ما هو جوهري من خلال تلك المواجهة المأساوية اللامحسوبة .
عاش البطل اللابطل الذي بالكاد يصارع لجّة الحياة مآس لم تكن لتخطر له على بال ، وعانى حالة الانتقال من عالم شخصي تغلفه المثالية الى الادراك الواعي لحقيقة العالم الفعلي بكل تناقضاته ووجهه الاخر المرعب الكئيب ، وحين صارحته ابنة اخته هند بورطتها مع الشاب العابث رياض ابن التاجر الثري الذي كان يعتبرها مجرد فتاة بلهاء لا تدري كيف توجه حياتها ومن وسط غير مكافيء له بالمرة ، تندّ عن عبد الله عبارة هاملت الشهيرة ” ان تكون او لا تكون تلك هي المسألة ” .
من قلب المأساة يلقى له طوق نجاة على يد فتاة تعمل بمعية خاطفيه ولعلها مخطوفة هي الاخرى بأنتظار فرصة مواتية للهرب وتهمس له باسمها على استحياء فيظل يردد ” فاطمة ” كتعويذة فأل كلما دهمته الازمات بعدها مستعيدا كلماتها :
-هيا اهرب ، اندفع ارجوك .. يقتلونني اذا عرفوا بصنيعتي معك
او حين يسألها بسذاجة طفل :
-اذا القوا القبض علي ماذا افعل ؟ .. لترد عليه :
-ساعتها الموت اهون عليك من الوقوع بأيديهم لأنك سترى جهنم شاخصة امام عينيك ، هيا اهرب ، اجر بأسرع ما تستطيع .
بعدها تحولت قدماه الى طلقة في الريح او طائر افلت من قفصه .. نسر او عقاب يندفع منطلقا بجنون نحو الهدف .تندّ عنه حسرة حرّى وهو يستذكر كيف تخلى عنه الصديق مع شدة احتياجه له فيردد :
-لم يعد امامي من وقت كاف لإقامة صداقات جديدة مع اناس جدد .
او حين تكال له تهم النصب والاحتيال والتحرش ومحاولة اختطاف فاطمة !! وهو يرى الخاطفين الذين استلموا معلومة خاطئة بشأن عمله ، يلاحقونه ويفتشون عنه في كل مكان بما في ذلك الحانة . ويتساءل في سره ” اذا كان عاجزا عن حل ابسط المشكلات التي تؤرّق الناس العائدين له فكيف يمكنه ان يحسم امرا معقدا ومتداخلا كهذا ؟ ” .
فتتملكه الحيرة وهو يجد نفسه بين فكي الرحى كمأزق المستجير من الرمضاء بالنار ، وهو يواجه بالسؤال الأزلي :
– اذا لم تعجبك حياتك فبدلها أ ليس هذا هو المنطق الصحيح ؟
” ولكن كيف يمكن له تبديل حياته ؟ بقوة السلاح ؟ هو لا يريد من احد ان يقول عنه استخدم سلاحا !! كما لا يريد ان يكون خانعا !! “
في عز ازمته يظهر من يعرض عليه الخلاص من كابوسه مقابل ثمن باهض ” وقبل ان ينهي عبد الله n الذي تحول اسمه الى اسم آخر هو أيوب n كلامه جاء رجل انيق المظهر يعرض عليه كتابة مسرحية يزيف بها تاريخ احد الحيتان !! ” ما يدفعه للتساؤل :
– هل اصبح اسم عبد الله من الاسماء القديمة ؟ وعلى العموم هو في الحقيقة احب اسم ايوب الذي ينطبق على المعذبين في الارض .. مادام يوجد عليها قوي وضعيف ، فلم يبق له خاطفوه من سمعة ولا حتى كرامة ، لكن هناك فرصة استعادة كل شيء عبر تزويره للتاريخ !!
تتجلى مكانة ” تسارع الخطى ” كنص روائي في كونها تمثل نتاجا اصيلا يحفظ للعالم تجدده وغرائبيته ويعيد اليه التوازن عبر حملنا على النظر الى خرائبه ودخانه الذي يلفنا ، حين يعمد الروائي بحرفيّة عالية الى هدم الواقع واعاده بنائه على الورق من منظوره ووفق رؤيته العميقة لإيصال هذا الكم الهائل من الغموض والتعقيد . مستخلصا من اللغة اصفى ما فيها من قدرات تعبيرية مستخدما الترميز الذي يحمل طاقة التأويل والتحليل والتأمل ينقلها الى القاريء ليعيش مع البطل ازمته الوجودية المعقدة ، هذا الذي ” داخله احساس عميق في النهاية من انه اذا ما ارغم الى الذهاب للقاء الرجل الكبير كما يدعونه فانه .. سيقاوم ” اذ تكشف الرواية عن شيء في آخر وريقاتها فاجأ البطل نفسه تمثل في المواجهة الشجاعة بينه وبين قوى قد تبدو في ظاهرها اضخم منه وفي غاية الشراسة غير ان سلاحه هو الجوهر وبالتالي فقد امسك بعمـــــــق الاشياء في مواجهة كـــــاملة تمثل ارادة الحياة مقابل قوة الالـــغاء والموت .


















