الرشيد بين السيارات والمكتبات

الرشيد بين السيارات والمكتبات

يبدو ان شارع الرشيد لا يتخلى عن عاداته وتقاليده التي عرف بها منذ مراحل عدة فقد عرف بالمكتبات المتراصفة على جانبيه ولعل المكتبات التي افتتحت في ساحة التحرير قد بدأت مسيرتها من شارع الرشيد، ووليدة شارع المتنبي، الذي يعد من اهم وابرز شارع مكتبي في العالم، والذي يعد الوريث لشارع الوراقين في العهد العباسي، وما تلته من عهود قد عرف بعضها بالاهتمام بالكتاب ومطالعته وتجليده وتصحيفه وبيعه وشرائه. وكان شارع الرشيد في جزئه الواقع في منطقة السنك وفي امتداده من هذا الجزء الى منطقة حافظ القاضي وجسر الاحرار، قد عاش ظاهرة غريبة، فبدلا من المكتبات والمقاهي والحانات والمحال التجارية التي كانت تهيمن عليه وتجذب الناس للسير فيه والتمتع بطابعه السياسي الجميل اصبح ملطخا بدهون السيارات وأسواق ومحال جميع المكائن واجزائها، وبيع الأدوات الاحتياطية للسيارات بمختلف مناشئها واحجامها ومراحل صنعها، بل ان شارع الرشيد اصبح من اهم وابرز أسواق بيع المكائن وأدوات السيارات في العراق ويبدو ان الأغنياء وأصحاب رؤوس الأموال قد استغلوا سنوات الحروب والكوارث وانصراف الناس عن الكتب وقراءتها ليستولوا على هذا الشارع الذي يعد من اقدم واهم الشوارع في العاصمة العراقية، وليجعلوا منه شارعا للمكائن واودوات السيارات وليجعلوا منه مصدرا لارباح العائلة، ومصدر رزق للكثير من الذين جعلوا من السيارات وادواتها مصدرا لارزاقهم ولمطاعمهم التجارية. ومع ان السيارات وادواتها ودهونها قد احتلت وسط هذا الشارع وازقتها الفرعية، واحتلت مساحة مهمة وكبيرة منه الا ان ذلك لم يقد الى احتلاله كاملا، والى ابعاده عن تقاليده المعرفية وتاريخه الثقافي فقد عمد محبو وعشاق الكتب الى توسيع شارع المتنبي ليمتد الى           شارع الرشيد، ولتصبح المسافة الواقعة بين ساحة الرصافي وساحة الميدان مواقع لافتتاح العديد من المكتبات، وهي مكتبات تعيش على ما يباع من مكتبات وكتب قديمة، وعلى ما يتم عدم بيعه ومن طبعات جديدة، اذ يمكنك في هذه المكتبات ان تعثر على اقدم الطبعات وعلى أحدثها أيضا فليس كل ما يطبع حديثا يتم بيعه بسرعة ولم تكن كل الطبعات القديمة قد نفذت وبيعت كل نسخها، فالذي يمر على هذه المكتبات وهي كثيرة يشعر ان بيوت العراقيين هي في الكثير منها مكتبات، لان مكتبات شارع الرشيد الحديثة تضم الكثير والكثير من الكتب التي تم شراؤها من المواطنين الذين ورثوها عن ابائهم واجدادهم ولم يرثوا حب القراءة وعشقها من هؤلاء الإباء والاجداد. ان انقسام شارع الرشيد بين باعة أدوات ودهون السيارات والمكائن واجزائها وبين باعة الكتب يطرح أسئلة عن الأفضل والأكثر انسجاما مع الشارع هل هم باعة أدوات ودهون السيارات؟ ام باعة الكتب ولمن ينبغي ان يكون الانحياز، وهل تظل الجهات المختصة واقفة على الحياء ومتفرجة على ما يحدث في هذا الشارع الثقافي التاريخي؟ بالطبع ان الوقوف مع هذا الشارع يتطلب الوقوف مع تاريخه وتقاليده ودوره في الثقافة العراقية والعربية، ولكي تعبر الجهات المختصة عن ذلك فان المطلوب ان تعمل على ما يلي:

1- العمل على توسيع عدد المكتبات المفتتحة في شارع الرشيد وابداء تسهيلات مادية ومعنوية في تأجيرها.

2- العمل على ان تكون الجهات المختصة نموذجا يحتذى به في تقديم التسهيلات لمؤجري المحال التي يراد بها ان تكون مكتبات وذلك بتأجيرها بأسعار مناسبة عند تأجير المحال المملوكة من قبل الدولة.

3- تشجيع أصحاب المكتبات على تحويلها الى مكتبات مختصة، وتطويرها من مكتبات تعيش على ما هو قديم ومستهلك وكاسد الى مكتبات تروج احدث واهم الطبعات وتجعل من الشباب المثقف روادا لها، وان تمارس إضافة الى ذلك دورها في طبع ونشر نماذج معينة من الكتب، وان تنتقل من خلال ذلك الى ان تكون دور نشر أيضا.

4- ان المنطقة التي اختيرت بهذه المكتبات منطقة قديمة، وذات بنايات ومحال متهاوية، ومادامت قد احتضنت هذه المكتبات فان من الضروري والمهم العمل على تجديدها من خلال إعادة طبعها وترميم وإعادة تجديد المحال المتداعية فيها وجعل ذات منظر معماري وانسيابي.

5- ان الكثير من المكتبات المهمة تباع بأسعار زهيدة ومن خلال علاقات طارئة بين أصحاب المكتبات وصب الكتب المباعة، ومن الضروري ان تكون الجهات الرسمية المختصة حاضرة عند عملية البيع والمزاد لاقتناء وشراء الكتب المهمة والتي نفذت طبعاتها، وتغذية المكتبات العامة الجامعية وغير الجامعية لها، وتعويض الكت المفقودة خلال الاحداث والحروب وعمليات النهب والحرق والسرقة.

6- الايعاز للجامعات والمدارس بتنظيم زيارات طلابية لهذه المكتبات، والاطلاع على محتوياتها والتعرف على مصادر هذه المحتويات واقتناء ما يصلح منها للقراءة والبحث.

رزاق ابراهيم حسن