الرسام عماد بدر لـ الزمان الكاريكاتير فن اكتشاف مخيلة البسطاء
سامر الياس سعيد
الفنان عماد بدر ممن يعبرون عن الصورة الإبداعية التي حفل بها مجتمعه خصوصا وان بدر أراد من خلال رسوماته الكاريكاتيرية ان يضع إصبعه على الجرح الذي يعاني منه الشارع العراقي كما لم يكن الوحيد ممن يساوره هاجس البحث والتقصي من اجل التفاعل مع يوميات المواطن العراقي فأنتج تسقيطا على هذا الواقع العشرات من اللوحات التي كانت مرآة صادقة تحمل روح السخرية من الواقع ووطأته التي يعيشها هذا المواطن وللتعمق في مسيرة الفنان عماد بدر كان لنا معه هذا الحوار الذي بدأته بالتطرق عن الفكرة وقيمتها في فن الكاريكاتير فأجابني بدر قائلا
ــ بدأت مشواري الفني فنانا تشكيليا لكنني بعد فترة من الزمن وجدت نفسي أنحو الى رسوم الكارتون وكوني أميل لروح النكتة فزاوجت بين النكتة والرسم الكارتوني فأنتجت بضعة رسومات تنتمي لفن الكاريكاتير وقد وجدت ان هذا الفن بات يشق طريقه للترسخ بين اقرانه من الوان الفنون خصوصا وانه غرد خارج سرب التقنيات التي أحدثتها ثورة المعلوماتية وبقي رهين الفكرة التي تومض في مخيلة الفنان فالفن التشكيلي بات رهين التأثيرات بالمقارنة مع فن الكاريكاتير الذي يتجدد بمعزل عن مواكبة تلك التقنيات فهو فن يعيش مع يوميات المواطن ويتفاعل مع همومه ومعاناته وبلاشك فان الهدف من هذا الفن هو زرع الابتسامة مع التعامل مع وخزات خفيفة لان المعطيات التي يتطلبها هذا الفن هو الإصلاح وتغيير الواقع.
ما هي الأدوات التي يلتزمها فنان الكاريكاتير وما هي الإسهامات التي يسعى الى ترسيخها هذا الفنان؟
ــ يتطلب ان يكون فنان الكاريكاتير متسلحا بالكثير من الأدوات ولعل أولها ان يكون متمتعا بثقافة مهمة بل عليه ان يكون موسوعيا لكي يعرف مواقع الدغدغة الإنسانية فيلمس بذلك تلك المواقع لدى المتلقي ويحاول ان يوصل إليه ما يسعى الفنان إيصاله كما اود ان أضيف لأدوات الفنان ان يكون متمردا ومنتفضا على واقعه فيساهم بذلك في إصلاح المجتمع.
وهل ماذكرته يقرب فنان الكاريكاتير من خطوط حمراء تمنعه من المساس بالكثير من المحظورات؟
ــ ربما أجد ان للخطوط الحمر ارتباط بالأخلاقية التي يتمتع بها رسام الكاريكاتير فنحن ننتقد الأمور الخاطئة والسلبيات ولايمكن بأي حال من الأحوال ان نوجه نقدنا لأشخاص بعينهم ففي أي مجتمع لابد لحرية التعبير من ان تكون هي الحرية التي لابد ان يتمتع بها هذا المجتمع بالإضافة لحريات الفكر والرأي ففي هذا الواقع تختفي الخطوط الحمراء وتبقى المسؤولية على عاتق رسام الكاريكاتير من ان يسعى لجعل الحياة والمجتمع أفضل كما هون الحال في أهداف المنظمات التي تعنى بحرية الإنسان وحرية فكره وآرائه.
لكن هنالك فنانون انطلقوا من فن الكاريكاتير ودفعوا حياتهم ثمنا مثل الفنان ناجي العلي او تعرضوا لمحاولات استهداف كما هو الحال مع الفنان السوري فرزات، هل يمكن ان نطلق على هولاء الفنانين إنهم ضحايا الخطوط الحمراء؟
ــ إذا ما قمنا بتسقيط هذا الواقع على بلدنا العراق فالمشكلة هنا ان رسام الكاريكاتير حاله حال المواطن العراقي فالأخير لا احد يسمعه والحكومة لا تستمع لأحد لانها مشغولة بأنها تنفذ ما هو مخطط لها وهي مشكلة خطيرة وبالتالي يضحي رسام الكاريكاتير هو العين التي تراقب وتحلل وتطرح المشكلة والهدف هو فضح الفساد المستشري والسعي لإحقاق حقوق المظلوم.
وهل هنالك محطات مر بها فن الكاريكاتير في العراق يمكن الإشارة إليها في سياق حوارنا؟
ــ لعلنا في هذا الموقف ان نستعرض المئات من رسومات الكاريكاتير وصولا من أول رسم لهذا الفن تم اكتشافها في العراق وحتى بداية الاحتلال الأمريكي وربما كان هذا الفن يعيش بعيدا عن الحرية الواسعة التي ينبغي ان يتمتع بها الفنان العراقي حيث كان رسام الكاريكاتير خاضعا في اغلب الأحيان لاملاءات رئيس التحرير اذ ما كان يعمل في مجلة ما او عبر بعض المتنفذين في الحكومات السابقة لذلك بدا هذا الفنان بعيدا عن دوره المؤثر قريب من دور المؤدي لأفكار الاخرين لكننا لاننكر ان بعد الاحتلال حدثت ثمة طفرة في المجتمع لكن تلك الطفرة لم تكن منتظمة بسبب تزامنها مع دخول ثورة المعلوماتية للبلد فضاعت في فوضى البلد الخامات الحقيقية للرسامين الحقيقيين ودخل الى ميدان الكاريكاتير الكثير ممن يدعون هذا الفن فشعر الرسام الحقيقي بصعوبة في تحديد موقعه وسط المجتمع.
إجابتك تقودني لمحورين ابدأ مع أولهما والمتعلق بانعكاسات الثورة المعلوماتية وايجابياتها على واقع فن الكاريكاتير؟
ــ بلاشك كان دخول الانترنت الى البلد وإتاحة استخدامه لدى اكبر عدد من المستخدمين ينعكس بالإيجاب لأنه جعل العالم مجرد قرية صغيرة فأتاح الانترنت لرسام الكاريكاتير بناء على هذا الواقع فرصة المشاركة بالمسابقات العالمية الكبرى وتوطيد علاقاته مع اقرانه في اغلب دول العالم والاطلاع بالتالي على تجارب المتميزين في تلك الدول وأسهمت تلك الرؤية بتوسيع آفاق الفنان.
والمحور الآخر الذي ارتبط بإجابتك السابقة تعلق بغياب النقابات والمنظمات التي تعنى بواقع حال فناني الكاريكاتير وما مدى حاجة هذه الشريحة لتلك المنظمات؟
المتعة في مشاركة الآخرين
ــ بصراحة وبناءا على واقعي الشخصي فانا لااحبذ تشجيع الأشخاص ممن لايبادرون هم بتقديم شي يذكر فالرسام عليه ان يعمل وبالتالي عليه ان يفرض نفسه وبعد ذلك لابد ان يبادر المجتمع للتجاوب مع هذا الرسام وأقرانه ولايمكن ان ننكر ان لفنان الكاريكاتير تعلقه بالمجهود الذي يبذله وبالتالي تبدو رؤية المنظمات والروابط مهمة في تسيير عمل الرسامين وإيصال أصواتهم وضمان حقوقهم والدفاع عنها.
لاشك انك تطلع على نماذج الرسومات التي يقدمها فنانون عالميون، هل يراودك بناء على تلك المتابعات رغبة بالانطلاق الى العالمية؟
ــ ربما ردي على سؤالك يتعلق بإجابة شائعة غالبا ما يرددها الرسامون ممن يواجهون مثل تلك الأنماط من هذه الأسئلة وأجيبك على هذا الوزن فأقول انا ارسم والباقي مرهون بالمتلقي وانا لااعتبر نفسي فنانا ولا رساما بقدر ما انا أسعى لأرسم فقط لأجد المتعة التي أبغيها فمتعة الرسم لدي تجلعني اشعر بدوري في الحياة من خلال شعوري بمعاناة الاخرين.
بما انك أفصحت عن المتعة التي تعيشها من خلال الرسم فما الذي اكتشفته من خلال إنتاجك للعشرات من الرسومات خصوصا في مجال الكاريكاتير؟
ــ اكتشفت بناء على ما أشرت إليه ان الرسم بإمكانه ان يبرز ويفضح متناقضات المجتمع وبالتالي فان ما ينتج يحاول ان يبني مخيلة للمواطن البسيط لاكتشاف ما حوله وأود الإشارة الى هذا الامر من خلال تجربة متواضعة مررت بها شخصيا حينما اخبرني احدهم بأنه تمكن من إجراء عملية جراحية لابنته المريضة بناء على رسم كنت قد نشرته في احد إعداد مجلة النواطير فأعطاني هذا الامر زخما ودافعا لكي أواصل رحلتي مع الفرشاة والقلم.
كيف تعيش معك الفكرة لرسم محدد وهل لديك طقوس في انجاز وتنفيذ رسومات الكاريكاتير؟
ــ بالطبع فان كل مشروع يدخل في رحلة مخاض لكي يرى النور في نهايته وسط محطات من الإرهاصات والانفعالات ولايغيب ذلك عن الواقع الذي يعيشه رسام الكاريكاتير فمشهد إنسان يستعطي او طفل يبكي او وطأة ظلم يحيط بإنسان تجلعني التجئ للقلم لأشحذ أفكاري بردة فعل مناسبة إزاء تلك المشاهد لأعبر عنها وأحيانا تكتفي بعض تلك الصور بخطوط بسيطة للتعبير عنها والحصول على نتائج سريعة وهنالك مشاهد ربما تستغرق أياما.
دعم الأصدقاء
وهل مر الفنان عماد بدر بمحطات عديدة لكي يتبلور أسلوبك الخاص وترسخ بصمتك الفنية؟
ــ لا انكر إنني بدات بدايات استطيع ان اوصفها بالبسيطة وكان ذلك في ثمانينات القرن المنصرم في معرض اتخذ من احد أروقة كنيسة الطاهرة في قرقوش موقعا له ولكنني بالرغم من مرور الكثير من السنوات على ذلك المعرض إلا إنني مدين للكثير من الأشخاص ممن قدموا لي الدعم والتشجيع وابدوا لي ملاحظات كان لها مفعول المواكبة والترجمة في تطوير قدراتي ومن هولاء الأشخاص اذكر الكاتب والإعلامي المبدع نمرود قاشا وكانت لملاحظاته الدافع والتشجيع في ان أوسع من طاقاتي كما لا انسى إسهامات الأصدقاء من الشعراء والأدباء في بلدتي ومؤازرتهم فملاحظاتهم أسهمت بتمتين رسوماتي من حيث الفكرة والتعبير.
بين التقليد والتأثر، مجرد شعرة.. هل تأثر الفنان عماد بدر بأحد فناني الكاريكاتير وهل واجهت اتهامات بتقليد احدهم؟
ــ اود الإشارة الى ما يعتري بحث الفنان من ناحية كونه مضنى ومتعب يجسد من خلاله الفنان البحث عن هويته او اسلوبه الخاص الذي يميزه عن باقي اقرانه وانا في هذا الخصوص مازلت في طور بناء الشخصية الخاصة بي لكي أضحي مستقلا عن الاخرين وأصبح ذو تجربة متفردة أما عن الفنانين الذين تأثرت بهم فعلى صعيد الفنانين العرب تستهويني رسومات الفنان الزواوي أما على الصعيد العراقي فانا معجب برسومات الفنانين خضير الحميري والراحل مؤيد نعمة.
كثرة المواقع الالكترونية والصحف والمجلات هل تنعكس على واقع الكاريكاتير بحيث تجعل أفكاره مستهلكة ومطروقة من قبل اكثر من فنان؟
ــ انا اتفق معك في ان كثرة الصحف والمواقع التي تطالب رسام الكاريكاتير بمواد تجعله في المقابل أكثر إرهاقا ويبذل مجهود اكبر وإضافي لكن من ينجح في النهاية في الابتعاد عن الاستهلاك هو الفنان المثابر والنشيط والذي يتابع المشهد اليومي ويحاول من خلاله اقتناص أفكار يدونها لاحقا على الورقة البيضاء..
تقدم حاليا من على شاشة فضائية عشتار برنامج يعني بتقديم مبادئ الرسم للمبتدئين يحمل عنوان باليت ، هل لك ان تطلعنا على فكرة البرنامج والهدف من تقديمه؟
ــ كانت الفكرة من هذا البرنامج صنع ذائقة خاصة للمتلقين من خلال دروس تتواصل من خلال استمرار تقديم حلقات البرنامج لكي تصقل بعض المواهب كما ان الهدف الذي أبغيه من البرنامج هو إعادة الاعتبار للفن التشكيلي بعد ان عانى هذا الفن ما عاناه من إهمال وتهميش دون ان يعي المجتمع أهمية الفن التشكيلي وقدرته على الارتقاء بهذا المجتمع والبرنامج أولا وأخيرا يسعى لكي يأخذ بيد الطفل والشاب والممارس لفن الرسم بان يجعل تلك الشرائح على تماس مع الفن وإذا نجحنا في ذلك فإننا بذلك ننجح في بناء مجتمع متذوق يحب الجمال والحياة بالدرجة الأساس.
رحلة البحث
وعلى هذا الأساس، هل لمست متابعة من قبل المتلقين للبرنامج وشعبية تحظى بالتواصل معه؟
ــ خلال تجوالي التقي بأناس يؤكدون لي بان أبنائهم وأطفالهم يفترشون الأرض بورقتهم وأقلامهم الملونة حال عرض حلقات البرنامج لكي يقلدون ما ارسم في هذه الحلقة او تلك وبالطبع فهذا الامر يشعرني بالسعادة ويجعلني في أكثر الأحيان أعيش رحلة البحث عن أساليب في التفرد من اجل إضفاء لمسات مبتكرة وطرق مواضيع تمس الفن الخاص بشريحة الأطفال والمبتدئين رغم ان البرنامج لايتحدد بشريحة معينة لأنه كما اسلفت يبحث في جمال الفن..
حققت شهرة مهمة من خلال الكاريكاتير لكنك أفصحت انك بدات فنانا تشكيليا،هل تحن للعودة الى هذا الفن؟
ــ فن الكاريكاتير يعتبر احد فروع الفن التشكيلي لكنه بالدرجة الأساس من الفنون المتفردة وأنا أرى نفسي بالدرجة الأولى فنانا تشكيليا لكن الاخرون يرون في عماد بدر رسام الكاريكاتير لكنني أحاول الجمع بين الفنين بهدف الاستمرارية لكي اغني تجربتي ويبقى على عاتق المتلقي ان ينجح في ترجمة عما أسعى لأعبر من خلاله عما يجول بمخيلتي.
بين التنوع في التعبير عما يجول بخاطر الفنان وبين التخصص في مجال محدد بحد ذاته، كيف يستقريء الفنان عماد بدر هذا التنوع؟
ــ الفنان الشامل لديه رؤية خاصة ويمتلك عيون تختلف عن الإنسان العادي والفنان الحقيقي يعطي قيمة لأي شي يستوقفه كان يكون وردة او مشهد او حدث ما لكي يستخلص الفكرة من خلاله ويجسدها عبر لوحة وذات الامر ينطبق على موسيقى او مسرحية على سبيل المثال وأنا أرى بان الفنان الحقيقي هو الذي يعيش في هذا العالم لكنه يشعر بأنه ليس من هذا العالم..
د عن الكاريكاتير ونقترب من التشكيلي عماد بدر ورحلته مع عالم الألوان وكيف انعكست لتشكل محطات من مشوارك الفني؟
ــ أي رسام لابد له ان يمر بمراحل عديدة لكي يبلور تجربته ففي أحيان تجد فنان يعشق الألوان الصارخة ويستخدمها للتعبير عما يجول بخاطره وتحت وطأة مزاجية معينة تجد فنان أخر ينحو نحو استخدام الألوان الهادئة وهذا هو الأمر الذي أؤكد عليه من جهة البحث والتجريب والجد من قبل الفنان والانتقالات بين مرحلة وأخرى تغني عمل الفنان وهي تجارب تحدد لأي فنان أسلوبه الخاص به..
ما هي تأثيرات البيئة على ما ينتجه الفنان وبمعنى أخر هل لتأثيرات الحرب او أجواء السلام على اللوحات التي ينتجها الفنان؟
ــ لا بد لي ان أشير الى تجربتي الفنية ومدى تأثرها ببلدة بغديدا التي اقطنها فلها التأثير الأكبر في مادتي الفنية ولكن على الفنان التأقلم مع أي مجتمع حتى في البلدان التي تعيش لظى الحروب فيمكن ان يقدم تجاربه في هذا الخصوص والفنان في النهاية هو من يصنع الفن وليس الاخرون.
/8/2013 Issue 4483 – Date 15 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4483 التاريخ 15»8»2013
AZP09