الرسالة لم تصل

توقيع

فاتح عبد السلام

هناك‭ ‬مَن‭ ‬استغرب‭ ‬أو‭ ‬استهجن‭ ‬أو‭ ‬استنكر‭ ‬أو‭ ‬تفاجأ‭ ‬أو‭ ‬غضب‭ ‬أو‭ ‬ضحك‭ ‬أو‭ ‬تساءل‭ ‬،‭ ‬حين‭ ‬جرى‭ ‬استعراض‭ ‬حرس‭ ‬الشرف‭ ‬العراقي‭ ‬مرتين‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الضيف‭ ‬الكبير‭ ‬ملك‭ ‬الاردن‭ ‬،‭ ‬وذلك‭ ‬عبر‭ ‬مراسيم‭ ‬استقبال‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬رئيس‭ ‬الجمهورية‭ ‬مرة‭ ‬ورئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬مرة‭ ‬ثانية‭ .‬

وقالوا‭ ‬بأنها‭ ‬عملية‭ ‬تكسر‭ ‬البرتوكول‭ ‬وانّ‭ ‬(الرئاسة‭ ‬الثالثة)‭ ‬غير‭ ‬هاتين‭ ‬الرئاستين‭ ‬قد‭ ‬تعترض‭ ‬وتريد‭ ‬اقامة‭ ‬استعراض‭ ‬لحرس‭ ‬الشرف‭ ‬حتى‭ ‬يكون‭ ‬هناك‭ ‬(عدالة‭ ‬ثلاثية)‭ ‬في‭ ‬النظر‭ ‬العراقي‭ ‬الى‭ ‬الامور‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مرة‭ ‬‭ ‬طبعاً‭ ‬قالوا‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬المجالس‭ ‬الخاصة‭ ‬وقرب‭ ‬مدافيء‭ ‬المنازل‭ ‬بين‭ ‬الاولاد‭ ‬والزوجات‭ ‬ليس‭ ‬أكثر‭ ‬‭ .‬

صديقي‭ ‬قال‭ ‬لي‭ ‬انه‭ ‬رأى‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬من‭ ‬باب‭ ‬زيادة‭ ‬الترحيب‭ ‬بالزائر،‭ ‬ومحاولة‭ ‬توكيد‭ ‬بصمة‭ ‬ترحيب‭ ‬عراقية‭ ‬لا‭ ‬مثيل‭ ‬لها،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬قالوا‭ ‬عنها‭ ‬بصمة‭ ‬مطعّمة‭ ‬بنكهة‭ ‬محاصصة‭ ‬،لا‭ ‬ذنب‭ ‬لزوار‭ ‬العراق‭ ‬في‭ ‬تذوقها‭ ‬الاجباري‭ .‬

اتذكر‭ ‬يوماً،‭ ‬قبل‭ ‬عصر‭ ‬الواتسآب‭ ‬والفايبر‭ ‬،‭ ‬وكان‭ ‬الانترنت‭ ‬لا‭ ‬يخطر‭ ‬على‭ ‬بال‭ ‬أحد‭ ‬،‭ ‬رأيت‭ ‬صديقي‭ ‬ذاته‭ ‬وكان‭ ‬قد‭ ‬جاء‭ ‬حديثاً‭ ‬من‭ ‬العراق‭  ‬الى‭ ‬لندن‭ .‬كان‭ ‬يكاد‭ ‬يضحك‭ ‬مع‭ ‬نفسه‭ ‬وهو‭ ‬يقبل‭ ‬نحوي‭ ‬قادماً‭ ‬من‭ ‬مكتب‭ ‬البريد‭ . ‬سألته‭ ‬:‭ ‬مابك؟‭ ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬يضحكك؟‭.‬

قال:‭ ‬لا‭ ‬ماكو‭ ‬شي‭ ‬بسيطة‭ .. ‬لصقتُ‭ ‬طابعاً‭ ‬بريدياً‭ ‬على‭ ‬الرسالة‭ ‬التي‭ ‬أردت‭ ‬ارسالها‭ ‬لأخي‭ ‬في‭ ‬مانشستر‭ ‬،‭ ‬وراودني‭ ‬الشك‭ ‬في‭ ‬انني‭ ‬لو‭ ‬وضعت‭ ‬طابعاً‭ ‬ثانياً‭ ‬لضمنت‭ ‬وصول‭ ‬الرسالة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬ضياع‭ ‬أو‭ ‬تأخير‭ .‬

قلت‭ ‬له‭ ‬:  ‬لكنها‭ ‬رسالة‭ ‬داخلية‭ ‬لا‭ ‬تحتاج‭ ‬اكثر‭ ‬من‭  ‬طابع‭ ‬واحد‭.‬

قال:‭ ‬الموظف‭ ‬في‭ ‬البريد‭ ‬قال‭ ‬لي‭ ‬ذلك‭. ‬ثم‭ ‬سألني‭ ‬لماذا‭ ‬فعلت‭ ‬ذلك‭ ‬هل‭ ‬كان‭ ‬سهواً‭ ‬مني‭ ‬،‭ ‬فقلت‭ ‬له‭ ‬بثقة:‭ ‬اردت‭ ‬أن‭ ‬أضمن‭ ‬وصولها‭.‬

قلت‭ ‬له‭ ‬:‭ ‬ماذا‭ ‬قال‭ ‬لك‭ ‬الموظف؟

قال:‭ ‬في‭ ‬البداية‭ ‬نظر‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬الموظفة‭ ‬الى‭ ‬يساره‭  ‬ساكتاً‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أي‭ ‬كلام،‭ ‬كأنني‭ ‬اخبرته‭ ‬بوفاة‭ ‬والده‭ ‬اللحظة‭.‬

قلت:‭ ‬أي‭ ‬ثم‭ ‬ماذا‭ ‬قال؟

اجاب‭ ‬صديقي:‭ ‬بعد‭ ‬لحظات‭ ‬من‭ ‬الصدمة‭ ‬،‭ ‬قال‭ ‬لي‭ ‬سوف‭ ‬اتقاعد‭ ‬من‭ ‬عملي‭ ‬في‭ ‬البريد‭ ‬الشهر‭ ‬المقبل،‭ ‬ولكني‭ ‬لم‭ ‬تمر‭ ‬علي‭ ‬هذه‭ ‬الحالة‭ ‬من‭ ‬قبل‭.‬

قلت:‭ ‬وبعدين؟

قال:‭ ‬أردت‭ ‬مغادرة‭ ‬المكتب‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬ان‭ ‬توقف‭ ‬عند‭ ‬ما‭ ‬قاله‭ ‬،‭ ‬لكنه‭ ‬اردف‭ ‬قائلاً:‭ ‬تأكد‭ ‬الآن‭ ‬ان‭ ‬رسالتك‭ ‬لن‭ ‬تصل،‭ ‬اذا‭ ‬لم‭ ‬تغير‭ ‬المغلف‭ ‬وتضع‭ ‬طابعاً‭ ‬واحداً‭.‬

قلت:‭ ‬وهل‭ ‬فعلت‭ ‬ذلك‭ ‬كما‭ ‬قال‭ ‬لك؟

قال:لا

بعد‭ ‬عشرين‭ ‬،‭ ‬تذكرت‭ ‬ماحدث‭ ‬لصديقي‭ ‬في‭ ‬البريد‭ ‬،‭ ‬وحين‭ ‬اكمل‭ ‬حديثه‭ ‬عن‭ ‬الاستقبال‭ ‬الرئاسي‭ ‬المزدوج‭ ‬في‭ ‬بغداد‭ ‬،‭ ‬ذكرته‭ ‬بالقصة‭ ‬القديمة‭. ‬،‭ ‬وسألته:‭ ‬هل‭ ‬وصلت‭ ‬تلك‭ ‬الرسالة‭ ‬الى‭ ‬أخيك؟

قال:لا

رئيس التحرير – الطبعة الدولية