رسائل إلى رجل حكيم
الرسالة الخامسة والثمانون – مقالات – ناجي التكريتي
ايها الرجل الحكيم:
اذا اردت ان تعرف شيئاً عن حياتي الشخصية، فانا استيقظ مبكراً، مهما تأخرت في السهر خلال الليلة السابقة.
لا انكر انني اريح نفسي بعد تناول الغذاء باغفاءة خفيفة لمدة نصف ساعة، وقد تمتد في الزمن الى ساعة كاملة.
اني تعودت ان امارس الرياضة الخفيفة لمدة ربع ساعة وقد تمتد الى نصف ساعة قبل تناول الفطور.
اما في عصر كل يوم، فان ابناء المنطقة يشاهدونني امارس رياضة المشي لمدة ساعة، اتجول فيها في طرقات الحي في مشية هادئة رتوب.
رياضة المشي تمنعني منها الايام الباردة جداً في فصل الشتاء، او اذا كان تساقط المطر غزيراً.
مع ذلك، فاني امارس رياضة المشي لمدة معينة من الوقت في داخل غرفات الدار.
مشكلتي مع نفسي حين اواصل السير في الطريق، انني لا انظر الى الامام، بل اني انظر الى داخل اعماقي.
اني ربما اتمتم مع نفسي فاحرك شفاهي وربما اتحدث مع نفسي بصوت مهموس، او ربما يرتفع صوتي فيسمعه من يكون قريباً مني.
يظنون… دعهم يظنون، فاني في حقيقة امري، احاور نفسي في مشروع كتابة كتاب جديد، او اناقش ما انا بصدده، وقد شرعت في كتابة الكتاب.
وقد اكون في حوار مع احد شخصيات رواياتي، وانا احاول ان اروضه، وفق المسيرة التي اردتها له، وهو يجادلني او ربما يتساءل عن النهاية التي سينتهي اليها مصيره، في نهاية المطاف.
الغريب في امري انني لا اسمع اصوات السابلة، واذا ما سمعتها فهي تقبل مشوشة لا يهمني امرها.
ان ما يلفت نظري حين ارهف السمع، انني اسمع الحكيمين افلاطون وارسطو يتحاوران وهما يسيران على الرصيف الجانبي، حول مشكلتي الواقع والمثال.
الحكيم افلاطون يرفع يده الى الاعلى، ليعلن ان المثال هو الحقيقة موجود، وارسطو يشير بيده الى الارض، مدللاً على ان الواقع هو على الحقيقة الذي له وجود.
اود ان اعلمك ان هاتين الفكرتين قد تناقلهما الناس عن الحكمين، وهم على خطأ كبير، حتى صارت الفكرة خطأً مشاعاً بين الناس.
اذا كان الحكيم افلاطون قال بنظرية المثل في الكتاب السابع من جمهوريته، فهو اراد ان ينقذ الانسان عملياً من اعماق الكهف الى نور الحقيقة.
الحكيم افلاطون واقعي في كتاباته، ومن يتابع محاوراته، الذي عالج فيها كثيراً من شؤون الحياة يدرك ان افلاطون يتلمس حياة الناس بواقعية منقطعة النظير.
الحكيم ارسطو عالم مدقق في ما يكتب ويقول، على ان كثيراً من افكاره مثالية التطبيق.
لقد اشتهر ارسطو في منطقه، ولكن من يدرس منطق ارسطو، يجد ان منطقه يقول ان الحار يولد الحار والبارد يتولد من البارد فحسب.
المنطق الحديث يقول ان الحار يولد بارداً، والبارد يولد الحار.


















