أيها الولد
الرسالة الثامنة والخمسون – مقالات – ناجي التكريتي
أويت الى الفراش في الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، واستيقظت، او بكلمة أدق واقرب للصدق في التعبير، انني قد أستيقظت في الساعة الخامسة الاعشر دقائق صباحاً، لانني كنت اكتب رسالة في ليلة شتائية باردة اليك.
لا ادري اذا اخبرتك من قبل، بان ممارسة الكتابة خلال النوم قد تلبستني في الشهور الماضية، من حيث ادري ام لا ادري.
كيف بي، وانا احس بالنزف يسري في سوح جسدي، وانا اواصل الكتابة، بشغف واندفاع ووئام. الغريب في أمري، اني ادرك انني امارس الكتابة خلال النوم حيناً، وفي احايين اخرى، اتصورني اكتب في حالة صحو وانبهار.
ايها الولد– صدقني حين افضي اليك، بانني كنت منسجماً في كتابة رسالتي هذه ذاتها اليك، وانا اوصيك ان تريح نفسك من عناء العمل، ليس من الصواب في شيء، ان تطوي ساعات الليل بالنهار وانت تواصل الكتابة، واذا مللت- وقلما تمل- تريح نفسك بفتح صفحات كتاب لتقرأ فيه، واذا ما سئمت من القراءة- وقلما تسأم-تجد راحتك، بالاتجاه الى مواصلة الكتابة من جديد.
ايها الولد.. كنت في غاية النشوة والانسجام ، وانا ارصع ارق العبارات على الورق، حتى كتبت نصف صفحة فاستيقظت فجأة لأمر، او ربما ايقظني طارىء خارجي وانا لا ادري.
حين ادركت ان ذلك كان حلماً، ازحت الغطاء على الفور، واتجهت الى المطبخ لإعداد كوب نسكافة بالحليب قبل ان اتجه الى منضدة الكتابة.
ايها الولد– هذا هو انا صريح رغماً عني، لا استطيع ان اجاري على الحق ولا ان اماري، فان كوب النسكافة بالحليب المحلى بالعسل، يبعث النشاط في جسمي، ويجعلني اركز على ما اريد ان ارسمه على القرطاس.
أي نعم– كنت اقرأ معاني ما كتبت في النوم، من غير ان ألماً بالكلمات الرقيقة الشفافة، التي ذهبت مع نسائم الحلم الذي كنت أعزف فيه تلك المفردات.
ايها الولد– اردت ان اوصيك ان تريح نفسك من عناء العمل، إذ ليس من المعقول ان تتعب جسدك وتشغل روحك وتركز معطيات عقلك بالعمل الدائم. من غير ان تخصص وقتاً مناسباً للراحة والاستجمام.
ايها الولد، لست مفسر أحلام، ولكن ما أنا بصدده لا يحتاج الى كبير عناء، فاني كنت خلال الحلم اكتب اليك، او اوصيك بان ترحم نفسك من عناء العمل، فاني في حقيقة الامر، كنت اوجه الخطاب- من خلالك- الى نفسي.
هذا ما استطيع الاجتهاد فيه، او هذا ما يخيل اليّ، وان الحال لا يحتاج مني ومنك الى كبير عناء.
ايها الولد.. كل شيء واضح امامي وامامك، وان الانسان الحازم من يعدل مع نفسه قبل ان يمارس فضيلة العدل مع الآخرين.
فضيلة العدل مع النفس، تتجلى في رأيي، في ان يكون الانسان معتدلاً في الحياة، وان يروح عن نفسه من عناء العمل، ساعة بعد ساعة، ليواصل العطاء على خير ما يرام.

















