الذئاب البشرية تنهش الجياع – مقالات- معتصم السنوي
تعد مشكلة الحرية من أهم المشكلات التي أنصب عليها التأمل الفلسفي من قديم الزمان إلى أيامنا هذه. وقد اكتسبت هذه المشكلة في الفلسفة المعاصرة خاصة أبعاداً وألواناً وظلالاً لم تكن لها من قبل، فاليوم تتركز المشكلات كلها حول الإنسان، وما الإنسان بدون حرية؟ وفي عصرنا، عصرنا التقدم العلمي الفذ، تتجلى هذه المشكلة أروع ما تكون، وتسلط عليها الأضواء من مختلف الزوايا، فما حققه العلم من تقدم يرجع الفضل فيه إلى (المنهج الموضوعي) الذي يستكشف ما بين الظواهر من علاقات ثابتة مطردة، والذي لا يسيغ بالمرة أن يكون هناك (أعجاز أو جبروت) يقف في وجه العقل البشر… فالعقل في وسعة بلا ريب أن يتوصل بوسائل (البحث العلمي) إلى ضبط نشاطه، ويتمكن من الوصول إلى نتائج لا دخل للإنسان بمواقفه ورغباته فيها، ومن ثم فالقوانين في ميدان العلم قوانين حازمة، ويترتب على هذا في مجال العلم هو دون منازع مجال الحتمية الخالصة، والمنهج العلمي الذي لم يقتصر سلطانه على المجالات المادية بل أنبسط أيضاً على الميادين الإنسانية، يتطلب في ذاته، ومن ذاته إيماناً ضمنياً بحتمية الروابط بين الظواهر، وقد لا يكون ثمة داع لإثارة مشكلة الحرية أو أقتصر الأمر على العالم المادي أو على الجانب المادي في حياة الإنسان من حيث كيانه العضوي وطاقاته الحيوية واستعداداته الطبيعية، بيد أننا حين نواجه النشاط العقلي والتصرف الإنساني يعز علينا أن نربط بين هذا التصرف كنتيجة وبين مقدمات هذا التصرف ومقوماته من دوافع ورغبات كأسباب وعلل… فمهما ثبت من شواهد ودلائل على أن ثمة روابط وثيقة بين المقدمات والنتائج في التصرف الإنساني، فأننا ما برحنا نقف حائرين أمام ما يمكن أن ندعوه لغز الحياة البشرية: أعني الحرية!! من هنا – في رأي الفيلسوف المعاصر (كارل ياسبرز)- احتدام الجدل حول هذا اللغز، وهو جدل يمتزج لا محالة بالدين والتصور العقلي ومقتضيات الحياة الاجتماعية ولا ينفك عن أي منها. إلا ما أسعد الإنسان الذي يستطيع أن يكتشف في (وطنه) وفي أسلافه، في دينه وفي (دولته) السلطة المتأصلة في التاريخ، السلطة التي تتيح له أن يهتدي إلى نفسه، ويعثر بفضلها على مبدأ وجوده!!.. ولكن ما العمل ونحن نرى عدداً متزايداً من الناس يشتتون بعيدهم عن أرضهم وبمنأى عن أوطائهم، ويرون الأسر التي رعتهم وقد أنهارت… وتنهش الذئاب البشرية البقية الباقية من قوت الجياع!! أنهم يكادون يفقدون الثقة بأنفسهم وبالعالم… وكأنما يتضاءل كل شيء في نظرهم فلا يتخطى حدود لحظة حاضر أنقطع ما بينه وبين الماضي وسد دونه المستقبل..! تلكم مسؤولية الإنسان ,ثم يتضح خطرها من قبل قدر أتضاحه في عصرنا، فعلى هذا الإنسان لكي يؤكد حريته أن يأخذ هذه المسؤولية على عاتقه في صمود وشجاعة وأمل، متعمقاً حقيقة وجوده مستشرقاً طبيعة رسالته، فلا ينكص على عقبيه متشائماً أو يقفز إلى أمام قفزات سريعة متفالاً… أن مصير الإنسان ملك له، وبوسعه أن يستثمر كل إمكانيات الحاضر متجاوزاً دائماً أبداً حدود الزمان، متخطياً سدود التاريخ، متصلاً بالله جلّ شأنه، فبالإيمان ومن الإيمان يستمد الإنسان الحرية ويظفر بالكرامة!!



















