الدرزن الأخير وألوانه القاتمة – مقالات – مفيد بدر عبدالله

الدرزن الأخير وألوانه القاتمة – مقالات – مفيد بدر عبدالله

عبارات ترد على السنة البعض تشكل عناوين بارزة وعريضة تختزل حقبا زمنية عاشها العراقيون بحلوها ومرها، لها دلالات كبيرة، أكثرها مؤلمة ،فيقال ان الأحداث الفلانية جرت في سنوات الطواغيت، أو “سنوات القحط”أو “عام الفيضان، من يتأملها يجدها عناوين قاتمة لا تبعث على البهجة، ففي العنوان الاخير”عام الجراد”، غزا فيه الجراد المزروعات واجهز عليها برمتها ، فلم تكن آنذاك المبيدات الزراعية منتشرة ومعرفة. أما في الماضي الاقرب فقد ظهرت عناوين اشد قسوة مثل “أيام حرب الشمال” أو ” أيام الحرب مع ايران”، ومن ثم “حرب الكويت”، انتهاء “بأيام الحصار”، أما الايام التي نعيشها فلها عنوان عريض وبارز فتسمى ” ما بعد السقوط”.

منشغلون بهمومنا واسباب معيشنا، تمضي بنا الايام مسرعة، ، لكن بعض محطاتها ترغمنا أحيانا على تذكر الماضي، فيمر بمخيلتنا مثل شريط سينمائي، عناوينه بارزة في جميع صوره. أحد أصدقائي يعمل أجيرا في أحد معارض بيع الملابس الجملة، في معرضهم لغة “الدرزن” سائدة وينطقها عشرات المرات في اليوم الواحد، حتى صارت لازمة ملتصقة بلسانه، تستحوذ على أكثر عباراته حتى خارج المعرض، يسمي صديقي أعوام بعد السقوط  بالدرزن، وهو محق فبعد ايام ستكمل سنتها 12فــالأعوام مضت بسرعة كبيرة.

ان لهذا (الدرزن) الوانه وطعمه المميز، أحداثه السريعة والمتلاحقة ولاسيما أعوامه الاخيرة تتشابه أحيانا بما نشاهده في افلام الهوليوود، فقد رسم لنا أسوأ سيناريو خيالي، فلم يكن بالحسبان أن تحتل اراض بهذا الحجم، وما يحدثه هذا الاحتلال من ماس وويلات، مثلما لم يكن بالحسبان أن يتدهور الاقتصاد على هذه الشاكلة. حتى غدة أيامنا سود قاتمة، لا كما رسمناها عام 2003. أن الحديث عن هذه الحقبة بحيادية، يحتم علينا عدم فصل تلك المرحلة عن سابقتها، فالعراق لم يشهد استقرارا منذ عقود، خاض حربين من اشرس الحروب، أجهزت على اليابس والاخضر، فعواقب الحربين كما هو معروف مدمرة اقتصاديا واجتماعيا، هذا ليس تبريرا لإخفاقات الحكومات المتتالية هذا (الدرزن) المركزية والمحلية، فكثير من البلدان مرت بأسوأ مما مر بنا،وتجاوزت محنها ونهضت واليوم تقف صلبة امام الهزات الاقتصادية، لكن حكوماتنا عجزت عن القضاء على السبب الاكبر للفشل (الفساد الاداري) المستشري في كثير من مؤسسات الدولة، فآفة الفساد اعادتنا لسنين القحط ما هو أخطر التي كانت تسببه اسراب جراد الفتاكة، لكن الفساد اشد فتكا فلا يستثني اليابس والاخضر، بل أمتد تأثيره ليشكل عامل احباط قوي للمخلصين واصحاب والايدي النظيفة.

أن غياب الرؤيا الستراتيجية، والتخطيط الواقعي والمدروس القادر على استيعاب المتغيرات والمفاجآت من اهم اسباب ما نحن فيه من ضائقة مالية، فقد اختفت من أسواقنا العبارة الجميلة والتي تبعث على الامل الكبير (صنع في العراق) ، فجميع الخطط الستراتيجية بنيت على عائدات النفط، والانجاز الاكبر صار زيادة الصادرات النفطية، التي ستخل حتما بخزين الاجيال القادمة، فكل الدراسات توكد بان النفط سينضب عما قريب، وان عشرات الاعوام تعتبر لحظة في عمر البلدان، هذا ما حدا ببلدان لها ريادة نفطية وتمتلك مخزوناً هائلاً من العملة الصعبة للبحث ان استثمارات في مشارق الارض ومغاربها، مستثمرة عجزامتلاك البلدان الفقيرة لراس المال رغم توفر الاراضي الشاسعة والايدي العاملة الرخيصة، كونها تفتقر لراس المال، أن البلدان التي وضفت رؤوس اموال كبيرة في هذا المجال لم تتضرر مثلنا من انخفاض اسعار النفط .

ان لم يستوعب سياسيونا دروسا من اخطاء (الدرزن) الماضي، (فالدرازن) اللاحقة لن تكون ألوانها وردية، وستنقضي سنين العمر بالوان قاتمة عناوينها القحط والموت.