الخروج من عـنق الزجاجة – مقالات – مـؤيـد الصالحي

الخروج من عـنق الزجاجة – مقالات – مـؤيـد الصالحي

إن القيام بإجراء مسح إحصائي موضوعي دقيق و شامل يوضح بما لا يقبل اللبس و الغموض ، أعداد ونسب و كثافة الموظفين والعاملين في مؤسسات الدولة كافة ، واجزم إن إحصاء من هذا النوع متوفر حتما وبالإمكان الرجوع إليه بسهولة ويسر في ملفات الرواتب الشهرية و سجلات الحضور والغياب ولا سيما بعد عـودة الكثير من المتقاعدين إلى أعمالهم السابقة ومعهم المفصولين السياسيين وسواهم من المحسوبين على الكتل والكيانات والأحزاب السياسية في إطار حزمة من القرارات بهذا الخصوص ، إن هكذا مسح ميداني يكشف لنا بجلاء مدى  الترهل والوظيفي الخطير غير المسبوق في المؤسسات العامة ، انعكس سلبا على  تبعثر الجهود الوظيفية المبذولة من إسهامات و انجازات قطاعية فعلية يومية على ارض الواقع ، ولو قمنا بالتعامل مع هـذه الإحصائية  كمدخلات وأنشطة وعمليات وبالتالي مخرجات تفصيلية فاعلة محسوبة بدقة متناهية ، سوف نقف على حجم و مقدار الخلل الذي يندرج تحت عنوان ضعف التخطيط وسوء الإدارات و انعدام القدرات وتغليب النظرة الشخصية الضيقة على الصالح العام للبلاد عموما ، أيضا سوف نقف وجها لوجه أمام ظاهرة البطالة المقنعة التي ترمي بظلالها على تشتت الطاقات وضياع الوقت في توافه الأمور وانعدام المقاييس الكمية والمعايير النوعية للتنمية والتطور ، وان العمل الذي كان من الممكن أن ينجزه الموظف الواحد ، تم توزيعه على مجموعة من الموظفين وبكفاءة اقـل ، أدى إلى  ظهور التراخي في الأداء والاتكالية في العمل و الاعتماد على الغير .

لذلك أصبحت العديد من المرافق و المؤسسات العامة عبئا ثقيلا على الميزانية الحكومية ، وصار الموظف من جانبه الثقل الأكبر على تلك الميزانية ، كما هـو معلوم ، وهي جزء من الحقيقة الملموسة التي يصرح بها المعنيين كافة بمناسبة و بدونها ، لذلك لا ينفك السادة المسؤولين المعنيين في الحكومة يشاطرهم الرأي و يؤازرهم السادة البرلمانيون الاجتهاد و التخطيط للخروج بتدابير ناجعة و إجراءات كفيلة تصب جميعها في إلغاء المخصصات الإضافية التي كانت تصرف لبعض الموظفين كاستحقاق قانوني ، بما في ذلك مخصصات ساعات العمل الإضافية التي تعمل بها اغلب المرافق الحكومية جرى الاستغناء عنها من باب ترشيد وتقليص الإنفاق ، والأدهى من ذلك يتم تأخير ترفيع الموظف وانتقاله إلى درجة وظيفية أعلى، وهو إجراء جديد أيضا يصب في هذا الاتجاه على ما يبدو، ناهيك عن تقليص رواتب القطاعات الحكومية التي تعمل وفق نظام ما يعرف بالتمويل الذاتي، وثمة من يخمن إن هذه القطاعات في طريقها إلى الإلغاء وإحالتها أما للقطاع الخاص أو  للاستثمار وفق قانون الاستثمار الجديد ، ولم تتوقف الإشاعات والتكهنات عند هذا الحد في السر والعلن ، فان ثمة من يزعم قيام الحكومة على تطبيق مبدأ  الادخار الإجباري للموظفين ، حيث يتم استقطاع جزء من الراتب الكلي للموظف لغرض توفيره وادخاره له ، وإن البعض من الموظفين  يعمل مجبرا على مضض وفق نظام العقود أو الأجر اليومي بمبلغ زهيد جدا ، لا يفي متطلبات أجور النقل من وإلى المؤسسة الذي يعمل فيها !! على أمل أن يتم تثبيتهم على الملاك الدائم عـند إقرار الميزانية و المصادقة عليها ونشرها في الجريدة الرسمية أو في حينما  تتحسن الأوضاع أو في حالة استمرار الحاجة الماسة إليهم .. إلى آخر هـذه الوعود و تلك الفوضى التي تضرب أطنابها القطاع الحكومي العام ، فيما تأخذ الشائعات سبيلها ومجراها بين الموظفين حول موضوع ما يعرف بالتقاعد الإجباري للذين أكملوا الخمسة عشر سنة خدمة فعلية فما فوق بهدف تقليص أعداد الموظفين قدر الإمكان، كذلك تعتزم الحكومة إعادة النظر في آلية توزيع الرواتب للموظفين والعاملين في مؤسسات الدولة بدلا من الشهر كما هو معتاد ، وجعلها كل أربعين يوما ، قبل أن يتم تفنيد وتكذيب مثل هكذا ادعاء من قبل السادة المعنيين في الأمانة العامة لمجلس الوزراء ، وان ثمة من  ينوه صراحة بوجود أزمة سيولة نقدية في البلاد.

لكن الواقع يشير بما لا يدع مجالا للشك و اللبس إن الميزانية الحكومية تعاني فعلا من عجز كبير غير متوقع ، بسبب انخفاض أسعار النفط ، لان الاقتصاد العراقي أحادي الجانب مرهونا بالاعتماد كليا على إنتاج وتصدير النفط الخام ، وان أية تقلبات سلبية في الأسعار يؤدي إلى خلل في الميزانية. وان دعوة السيد رئيس الوزراء إلى تطوير القطاع الخاص و إطلاق ستراتيجية بهذا الخصوص تحت شعار (التحول نحو القطاع الخاص ركيزة أساسية لدعم الاقتصاد الوطني) هو السبيل الضامن للشراكة الحقيقية بين القطاعين الخاص والعام ، أما بشان الخوض في حوارات وأحاديث حول الاستغناء المزعوم عن العاملين في الشركات العامة للدولة ذات التمويل الذاتي ، يحتاج إلى وقفة تأملية جادة و مراجعة شاملة ، لا سيما وان القطاع الخاص غير مهيأ أصلا لامتصاص زخم البطالة (الصريحة) في البلاد فضلا عن البطالة (المقنعة) ، مع تزايد أعداد الخريجين و حملة الشهادات الجامعية و المعاهد و سواهم ، وعليه ينبغي حث الخطى نحو إيجاد صيغ ملموسة ناجحة و آليات عملية هادفة أساسها إقامة الصلات والشراكة و الجمع و التعاون المثمر و البناء بين القطاعين الخاص و العام ، تتجاوز مفهوم الملكية الجزئية لتحقيق التنمية المستدامة ، وعلى سبيل المثال تم على مدى العقدين الماضين توقيع ما يزيد على 1400 شراكة بين القطاعين الخاص و العام في الاتحاد الأوربي، وقد بلغ إجمالي رأس المال لهذه الشركات نحو 260 بليون يورو.