
د. نزهت حالي
أربيل
لا شك أن الثورة الشعبية في إيران، بقيادة آية الله العظمى روح الله الخميني، كانت بكل المقاييس ثورةً جماهيرية سياسية كبرى، غيّرت بنية المجتمع الإيراني ونظام الحكم الملكي (الشاهنشاهي) الإيراني. وتُحسب تلك الثورة علی مستوی أعظم الثورات في العالم.
نجحت الثورة الشعبية الإيرانية من دون اللجوء إلى العنف في عام 1979، وكان لذلك الحدث تأثير كبير على العالم، ولا سيما على الشرق الأوسط. ومن المرجّح أنه لو لم تُسقَط حكومة الدكتور محمد مصدّق عبر مخططٍ لجهازي الاستخبارات الأمريكية والبريطانية، باقتراح من بريطانيا، لما اندلعت الثورة الشعبية في إيران.
بعد أكثر من 46 عاماً من حكم رجال الدين ووجود رؤية دينية ومذهبية لإدارة البلاد، تقف الجمهورية الإسلامية اليوم عند مرحلة شديدة الحساسية.
وعلی الرغم من أن هذه البلاد على مستوى عال في مجالات علمية وبحثية عديدة، وتمتلك رأسمالاً بشرياً جيداً، ولا سيما أن النساء حققن تقدماً ملحوظاً في مجالي التعليم والعلم في عهد الجمهورية الإسلامية، وكذلك تمكّن الشعب والسلطة في حرب الأيام الاثني عشر من التكاتف وحماية البلاد من الانهيار، إلا أن الأوضاع الاقتصادية المتدهورة حالياً، وغلاء المعيشة، وتراجع قيمة العملة، وتصاعد سخط الشارع والاحتجاجات، إلى جانب الضغوط الخارجية مثل العقوبات الاقتصادية والعمليات الاستخباراتية السرية (covert actions)، جعلت أصحاب السلطة في البلاد يواجهون وضعاً أكثر تعقيداً وصعوبة من أي وقت مضى.
وبحسب قول الدكتور سالار كاشاني، وبعض الاستطلاعات والدراسات في فترة حكم الإصلاحيين (خاتمي – روحاني) كان أكثر من 50٪ من الشعب يصنّفون أنفسهم إما إصلاحيين أو أصوليين (مؤيدين للجمهورية الإسلامية)، على الرغم من ان اليوم لا تتجاوز هذه النسبة 10٪. وهذا يعني من وجهة نظره أن النظام السياسي الإيراني ومؤسساته يُنظر إليها شعبياً على أنها غير كفوءة.
أبو الفضل حاجي زادگان، كاتب ومحلل إيراني آخر يرى أن المشكلة الأساسية تكمن في ربط احتجاجات الشعب بتدخل خارجي، وأن هذا التصور حال دون فهم السلطة للمنطق الحقيقي والسليم للاحتجاجات، وهذا يؤدي إلى اشتدادها وتزايد حدّتها في المستقبل. كما يقول أن الإفراط في التحليل الأمني للاحتجاجات للأحداث والقضايا قد يؤدي إلى خسارة كل شيء، بما في ذلك الأمن نفسه.
ويرى الدكتور محمود سريع القلم، أستاذ العلوم السياسية الإيراني البارز، هو احد الذين يعتقدون أن على إيران حلّ مشكلتها مع الولايات المتحدة من أجل تحقيق نمو اقتصادي، كما يعدّ بقاء المسؤولين لفترات طويلة في مواقع السلطة أحد أبرز مشكلات الحكم في إيران. ويعتقد سريع القلم أن الشعب الإيراني لا يتغير عبر الحجج والبراهين، بل يتغير عبر الأزمات، ويأمل أن تتحول هذه الأزمات إلى دافع لتغييرات إيجابية في البلاد.
لكن السؤال الأهم هو: كيف يمكن للقادة الايرانيين في ظل هذا الوضع الصعب وضعف الثقة، تقليص الاحتجاجات الداخلية من خلال تنفيذ إصلاحات اقتصادية وسياسية؟ وكيف يمكنهم باستخدام أدوات الدبلوماسية والمهارة المعروفة عنهم في التفاوض، تخفيف الضغوط الخارجية على بلدهم، لا سيما في ظل وجود رئيس مثل دونالد ترامب في البيت الأبيض، الذي لا مانع له في استخدام القوة ضد خصومه؟ ويُعدّ اعتقال رئيس فنزويلا أحدث مثال واضح على الاستخدام العلني للقوة العسكرية الأمريكية في عهد الرئيس ترامب.
ورغم أن آية الله خامنئي قائد الجمهورية الإسلامية الإيرانية يمتلك خبرة سياسية واسعة، إلا أنه لا يزال من غير الواضح أي مسار سياسي سيسلكه مع الرئيس مسعود بزشكيان للخروج من هذه الأزمات المتراكمة، هل سيستمران في التمسك بالمبادئ الثورية الدينية، أم سيتجهان إلى حلول براغماتية سريعة لمعالجة الوضع؟
ذلك أن لا تهديد أخطر من تهديد الجوع والسخط الشعبي الواسع ضد السلطة في إيران، لاسيما حين يكون الخصم الخارجي قوة عظمى مثل الولايات المتحدة.
















