الجزائر إلى أين؟ الطريق إلى التغيير – مقالات – نعيم بن محمد
تعيش الجزائر منذ فترة ليست بالقصيرة العديد من المشاهد التي لم كن أحد يتوقعها و ذلك على جميع المستويات لعل أبرزها الفراغ السياسي الذي تعرفه البلاد منذ تجديد العهدة الرابعة، و الذي لم يستطع أحد ملأه سواء من قبل السلطة القائمة أو من الطرف المعارضة الموجودة. أو ممن يترأسون الحراك الاجتماعي الذي يسعى للضغط على الطرفين من أجل تلبية مطالبه.
إن الملاحظ للوضع الحالي يمكنه أن يستنتج أن الحل ليس بالقريب العاجل. إنما الأوضاع تسير نحو مزيد من التصعيد الذي قد يجلب معه الفوضى، هذه الأخيرة لن تحدث تغييرا واضح المعالم بقدر التدمير الذي ستحدثه و بقدر الانتفاع الذي لن تحصله الفئات الشعبية بمختلف شرائحها المتوسطة و الهشة التي ستكون المحرك له بل ستؤول منافعه إلى القلة الطامعة و المتربصة و التي تستغل كل ما من شانه أن يحقق مصالحها و يبقى على نفوذها و انتفاعاتها اللامسؤولة و اللامبررة قانونيا و أخلاقيا.
انطلاقا من هذا فإننا سنحاول هنا تقديم عرض للمؤشرات التي أجلت التغيير الفعلي الذي كان سيحدث نقلة نوعية في الحياة العامة للجزائر شعبا و مؤسسات دولة. و البعض من هذه المؤشرات قد يساهم في إحداث الفوضى باسم التغيير و الإصلاح في الأرض. و ذلك بغية تدارك الوضع من قبل جميع الأطراف المتصارعة و التي تتحدث باسم الشعب في كليته هذا الأخير لا نراه إلا حطبا لصراعاتها.
أولا: إن إعادة التجديد للرئيس عبد العزيز بوتفليقة تنبئ أن الشعب يرفض التغيير بنفس القدر الذي ترفض فيه السلطة التنازل عن الحكم أو مشاركة الغير في إدارة البلاد و العباد. و هذا ناتج عن الخوف من البديل الذي قد يؤدي إلى المحاسبة و منه المعاقبة و بالتالي فالتمسك بما هو موجود أحسن من اختيار بديل نعتقد في صفته العقابية أكثر من الإصلاحية.
ثانيا: وجود معارضة هشة و صورية استفادت من قوة السلطة كما تستفيد اليوم من ضعفها. هذه المعارضة لم تقدم جديدا رغم ادعائها باللجوء إلى الشعب الذي لم يمكنها من وعاء انتخابي يسمح لها بالتأثير الفاعل على الساحة السياسية و بالتالي توظيف طاقاتها من اجل إحداث تغيير سلمي و الدليل على ذلك عدم تمكنها من تحصيل نسب معتبرة في العمليات الانتخابية المختلفة أو أثناء ممارستها لنشاطاتها الجماهيرية، إضافة إلى نوعية خطابها المتميز بالخطاب العاطفي المبني على تسفيه الآخر أكثر من اعتمادها على خطاب بديل و طموح يستغرق الحاجيات الحقيقية لمختلف الفئات الشعبية مما يوسع من قاعدتها الشعبية.
ثالثا: ذكاء السلطة الحالية باعتمادها على المعارضة و تجنيدها من أجل التغطية على المعارضة الحقيقية و الممثلة في الشرائح الصامتة و الصابرة من الشعب و ذلك لخلق نوع من الحركية السياسية في البلاد. إضافة إلى عدم فسح المجال أمام الوجوه الشابة و الحاملة لأفكار واعدة و إصلاحية و التي تمثل البديل الفعلي للطبقة السياسية الحالية. فمن خلال هذا الاستعمال تم مصادرة الرغبة في التغيير و اعتماد أدوات هشة لا أثر لها ميدانيا لافتقارها إلى خطاب تعبوي جدي و بديل كما أن ماضيها السياسي لا يعطيها القدرة الكافية على التجنيد و الإقناع.
رابعا: إعادة توجيه الرأي العام الوطني نحو قضايا هامشية مثل مسألة المرأة و وضعها القانوني و كذلك الدولي من خلال المساهمة في حل بعض القضايا الإقليمية و بالتالي توجيه الأنظار عن المشكل الحقيقي و هو عدم وجود إرادة فعلية في الإصلاح و تسيير البلاد بنحو ديمقراطي يمكن الجميع من المساهمة في بناء صرح مؤسساتي قار و ذلك من خلال نهج إصلاحات حقيقية تعتمد النقاش و الحوار حول القضايا الرئيسة التي تهم المجتمع في كليته. عوض ما هو قائم اليوم من تعويم للقضايا الهامة و انحسار دور المختصين عن تأدية واجبهم في التحسيس و التنوير مما حط من قيمة تلك القضايا. إضافة إلى إغفال القضايا ذات القيمة الوطنية مثل المنظومة التربوية و الجامعية و الصحية و المالية و التي تعد ركيزة أساسية في بناء جزائر الغد و إنسان المستقبل.
خامسا: صعود فئة من الأغنياء الجدد الذين تمكنوا من اختراق المنظومة النسقية القائمة و التي لم يكن المال أحد ركائزها بل تحول هذا الأخير إلى عامل فاعل في إحداث أي إصلاح. هذا المال يتميز في عدم وضوح مصدره و بالتالي فهو يسعى إلى الحصول على الشرعية من خلال ولوج عالم السياسة الذي سيساعد على تبييضه و تطهيره بصفة قانونية و مؤسساتية مما يفسح له المجال للبراءة من أي محاسبة أو عقاب.
بناء على هذه المؤشرات يمكنا القول أن طريق التغيير في الوقت الحاضر لن يكون ذا جدوى لعدم وجود فاعلين بيدهم الإرادة الحقة التي تمكنهم من إحداثه و التخفيف من وطأته بل ستستمر الحال على ما هي عليه إلى حين تشكل وعي و قيم تسمح بالانتصار لفكرة الإصلاح و التغيير و السعي لتجسيدها ميدانيا مما يمكن البلاد و الشعب من التقدم و التطور وفقا لمكانيزمات العدالة الاجتماعية.



















