التنبؤ اللا إرادي – مقالات – ثامر مراد
خلال فترة العيش في جحيم ألأيام كانت تحدث لي أشياء عجيبة . في البداية لم أهتم لها ولكن تواترها المستديم جعلني أؤمن بها إلى مالانهاية. في بداية ألأمر عندما كنت أحدث بعض الزملاء عنها كانوا يسخرون مني ويصفونني بالأنتماء إلى صفة العجائز في العصور القديمة. البراهين وألأثباتات التي قدمتها لهم جعلتهم يصدقون تلك الحالة بشكل لايقبل الشك. آمنتُ بأن تلك الحالة ماهي إلا إمتدادات غيبية تتصل بالخالق سبحانهُ وتعالى. أحياناً تحدث أشياء لايمكن أن تخطر على ذهن إنسان وسوف أُطلق على تلك الحالة إسم – الحكّة- ولاتضحك علي عزيزي القارئ كما ضحك زملائي . من يدري ربما توجد عندك لكنك غير منتبه لها. سأقص عليك حوادث لاتعد ولاتحصى من هذا النوع من التنبؤات. كانت يدي اليمنى تحكني بشكل مباشر ودون سابق إنذار. حينما يحدث مثل هذا الشيءفأنني أستبشر مع ذاتي وأكون مرتاح البال. أشعر أن الله سبحانهُ وتعالى سيرزقني بشيء – مهما كان صغيراً- وبالفعل لاينتهي النهار إلا وأكون قد إستلمتُ شيئاً ما. وعندما تحكني باطن قدمي اليمنى أو اليسرى فأن شيئاً مزعجاً سيحدث بعد قليل أو أثناء فترة النهار. تكررت الحالات آلاف المرات ولم تُخطئ مرة واحدة. لم أعد أحتمل هذه الحالة فتحدثتُ الى صديقي وتلميذي العزيز- سطام-. كنتُ جالساً على سريرهِ في القاعة الثانية وكنا ندرس إحدى الروايات العالمية باللغة ألأنكليزية وهي -عناقيد الغضب-. على حين غرة شعرت بحكة شديدة في باطن قدمي اليمنى فقلت لصديقي ” .. ياستار ستحل بنا كارثة هذا اليوم. ” .
إنتبه سطام لكلامي وراح يضحك بصوتٍ هستيري ساخراً مني ومن كلامي. حينما هدأ وعاد الى طبيعته ألأولى قال بمزاح ” ..أستاذ أنت تذكرني بجدتي التي كانت تحكي لنا قصصاً خرافية عن – السعلوة- أنت رجل متعلم فلماذا تؤمن بهذه الخرافات؟” قلتُ له بهدوء ” ..أتمنى أن تكون هذه المرة خرافات على حد قولك.لكن منذ هذه اللحظة ولمدة ثلاث ساعات إذا حدث شيء يعكر صفونا ستكون مديناً لي بقدح كبير من الشاي الحلو ” .
دون تفكير صاح ” ..نعم نعم على الرحب والسعة. قبل أن تنقضي الثلاث ساعات تحول المكان الى شيء مرعب. جاء الطوفان وغطت السيول المزعجة أرواحنا المرهقة وتحول الهدوء النسبي الى أمواج من ألأضطرابات النفسية .
هجمت علينا مجموعة كبيرة من الجند وكل واحد منهم يصرخ بصوت مزعج ” إخرجوا جميعا الى خارج القاعات..الى الساحة الخارجية .إحملوا كل ماتملكونه من أشياء الى الساحة الخارجية لانريد أي شيء يبقى داخل القاعة.” .
حلت بنا اللعنة وتمزقت أحلامنا مرة أخرى وضاع ماكنا قد حصلنا عليه بشق ألأنفس من ألأوراق الصغيرة والكبيرة وأقلام الرصاص والجاف وضاعت جميع الكتب الأنكليزية التي حصلنا عليها بطريقة غير شرعية وتحول وجه سطام الى صفحة من اللون ألسود وألأحمر وثارت ثائرتهِ. لقد أخذوا منه كل شيء جميع أوراقه وأقلامه وكتبه التي حصل عليها بسنوات بعد أن إشتراها بطعامه من هذا وذاك. أصبحت حالته النفسية مزرية جدا.
شاهدتهُ يصرخ في وجه الجند الذين وقفوا عند المدخل الرئيسي وهم ينثرون أشياء كثيرة من -كيسه-. كان كشحاذٍ بائس يتوسل إليهم أن لايصادروا دفاتره التي إشتراها بغذائه وقوته. لكن كيف له أن يدافع عن نفسه في هذا الطوفان الجارف من الجند والحراس المدججين بالسلاح؟
دخل سطام الى القاعة وهو يجر أذيال الحزن وألأنكسار. لم أقترب منه مطلقاً فقد كان لايتحمل أي إنسان في تلك اللحظات العصيبة. أما أنا فقد أخفيتُ قلمي الجاف في ملابسي الداخلية بطريقة لايمكن العثور عليها إلا إذا جردونني من كافة ملابسي. عند توزيع الشاي الليلي جاء الى سريري وهو يقول بلا مقدمات ” ..
أستاذ أنت مدعو ألآن لتناول قدح من الشاي الحلو عند سريري” . هبطتُ من سريري وحملتُ قدحي معي. ونحنُ نحتسي الشاي -الخفيف جداً- قال: الحق معك ياأستاذ.لقد آمنتُ منذُ هذه اللحظة بالشيء الذي ذكرته لي سابقا.لقد جردونني من كل شيء. لم أعد أملك أي شيء..لاقلم ولادفتر ولاكتاب. ماذا سأفعل ألآن؟ لاأستطيع البقاء هكذا بدون دفتر أو قلم. أشعر بالاختناق .. للحكاية بقية.


















