التربية على المواطنية – مقالات – معتصم السنوي

التربية على المواطنية – مقالات – معتصم السنوي

إن هذه التسمية هي الأحدث استخداماً في المناهج التربوية المعاصرة، لاسيما في الدول الديمقراطية الحديثة والمتطورة، فمن صيغة تركيبها يمكننا أن نستدلّ على مضمونها، ومرتكزاتها، وأهدافها، إنها لا تلغي النوعين (التربية الوطنية والمدنية) من التربية، بل تسند إليهما وتتجاوزهمها بما يشكل مشروع التربية على الحياة العامة، ويحدد مغزاه ودوره في بناء الدولة الحديثة إنطلاقاً من تحديد وحدة (قياس) المستوى الديمقراطي فيها وما هي نظامها السياسي، ونعني بوحدة القياس هذه، مفهوم المواطن.! نجد في عبارة (التربية على المواطنية) ثلاثة مفاهيم متراكمة: مفهوم المواطن، ومفهوم المواطنية، ثم مفهوم التربية على المواطنية، فالمواطن هنا ليس شيئاً مختلفاً ومتميزاً عن ذلك الإنسان الاجتماعي المتعلق بوطنه تعلقاً عاطفياً، والذي تتخذه التربية الوطنية موضوعاً لعنايتها واهتمامها، وهو أيضاً ليس شيئاً آخر غير الإنسان المنضوي تحت منظومة متكاملة ومترابطة من القواعد، والأصول، والقوانين الناظمة للحياة الجماعية داخل مؤسسة الدولة، والذي تعني (التربية المدنية) بتوجيه سلوكه وتحسين أدائه في آلية المؤسسة الدولتية التي ينتمي إليها ولكن مفهوم المواطن، بالمعنى الذي تستند إليه عبارة (التربية على الوطنية)، هو الإنسان الذي يجمع في ماهيته البعدين السابقين، بالإضافة إلى بعد جوهري آخر هو البعد (القانوني) و(السياسي). أما القصد الذي نرمي إليه عن هذا التوصيف فهو أن الدولة التي تركّز في نظامها (التربوي) على البعد السياسي والقانوني لدى الإنسان الاجتماعي، إنما يعني ذلك أن النظام السياسي في هذه الدولة، يعترف بفكرة المواطن، ويبني عليها جميع منظوماته الاجتماعية والسياسية والحقوقية والاقتصادية ويشتق منها جميع القيم الموجهّة لسلوك الفرد في المجتمع، والمعايير التنظيمية، والمبادئ القانونية التي تحكم الحياة الجماعية داخل الدولة، مع ما يستتبع ذلك منطقياً من اعتراف هذا النظام بحقوق المواطن في ممارسة دوره في السلطة السياسية، وتشريع هذا الدور والسهر على ضمانة وتحسين أدائه، وسوف يكون لهذه النظرة، نتائج فائقة الخطورة والأهمية بالنسبة لوضعية المواطن ومكانته في الحياة السياسية، وفي بنية السلطة وآليات ممارستها داخل الدولة.

أما المواطنية، فهي الوضعية (القانونية) التي يتخذ الفرد بفضلها ماهيته كإنسان سياسي، بحيث تمنحه صفة (تشريعية أصلية) من شأنها أن تلقي على عاتقه دوراً معيناً في آلية الفعل السياسي الذي تجري بمقتضاه الحياة العامة ضمن إطار الدولة، إن هذه الوضعية هي حاصل تاريخ طويل ومستمر، صنعته ثقافات الشعوب وتجاربها في تنظيم مجتمعاتها وإيجاد أفضل الصيغ والشروط الآيلة إلى ضمان أسباب البقاء، وتحسين الحياة المشتركة، وتحقيق شروط السلام بين الأفراد داخل المجتمع الواحد، وفي علاقات المجتمعات مع بعضها البعض.

فالمواطنية مشروع مستمر ودائم يكتسب الإنسان ما تحقق منه في مرحلة تاريخية وثقافية معينة، ولكنه يسعى باستمرار إلى تطويره وتحسينه بالمعرفة والعمل والممارسة، ولذلك فهي تفرض على الدولة الديمقراطية الحديثة واجب العناية بها، من خلال مهماتها التربوية ونظمها التعليمية، لترسيخ مبادئها وقيمها في أذهان المواطنين.

فالتربية على المواطنية تركّز، ليس فقط على محبة الوطن وتشجيعها وتنميتها، وليس فقط على فضائل التقيّد بالقوانين والواجبات وممارسة الحقوق المدنية العامة، وإنما تركّز أيضاً، وبشكل رئيسي توعية المتعلّم على مبدأ السلطة، وعلى أن (المواطن هو مصدر السلطة)، وعلى أن موقعه هذا هو حق له وممارسته واجب عليه من خلال الدور الذي يقوم به في إنتاج القوانين من جهة ما هي تعبير عن الإرادة العامة التي يشكل فيها المواطن جزءاً لا يتجزئ منها، كما أنها تعني أيضاً بتزويده ببعض المعارف والمهارات التي تمكّنه من ممارسة هذا الدور من خلال الآليات التطبيقية المعمول بها في مؤسسة الدولة.

إن هذا الدور التشريعي للمواطن يلقي على عاتق هذا الأخير مسؤوليات، ويفرض عليه واجبات، ولكن هذا الدور لا يستقيم إلا استناداً إلى منظومة من الحقوق الأساسية التي لا تتقوّم صفة المواطنية الكاملة لدى الفرد إلا باستتبابها وبتوفرّ الشروط اللازمة لممارستها، إن لهذا الجانب من التربية على الحياة السياسية أهمية قصوى في بناء الدولة الديمقراطية الحديثة، وفي استمرار نظامها السياسي وتحصينه وحمايته من إمكانيات الإنزلاق باتجاه النظم الاستبدادية.

وصفوة القول: يشكل مفهوم (المواطن) ركيزة من الركائز النظرية للنُظم الديمقراطية التي تنتهجها الدول الحديثة، ومستنداً عملياً للسلوك الإنساني في الجماعة داخل الدولة، ولكن (المواطنية) ليست حالة طبيعية مُعطاة بحيث تولد مع الإنسان في فطرته، بل إنها مجموعة من الخصائص والصفات يكتبسها الإنسان اكتساباً بالتربية والتعليم والممارسة، وهو يستمر في تحقيقها وتطويرها وتحسين أدائها في جميع مجالات حياته الفردية والعائلية والاجتماعية والسياسية.من هنا، فإن (التربية على المواطنية) باتت تشكل منذ زمن بعيد مكوّناً رئيسياً من مكوّنات النُظم التربوية في الدول الديمقراطية أو الدول المتجهة نحو الديمقراطية، بحيث تقوم بدور لا غنى عنه في تكوين الروابط المدنية التي تبنى عليها هذه الدول، والهدف الاستراتيجي من (التربية على الديمقراطية) هو تأمين الشروط الكافية لتكوين مواطن مسؤول، ذاتي التصّرف والسلوك، ومتمكّن من المشاركة في الحياة الاجتماعية والمهنية داخل الجماعة، ومن ممارسة التفكير النقدي المستقلّ فيها، على نحو أفعل وأنجع مما تؤمنه كل من التربية الوطنية والتنشئة المدنية.

إن أسباب الخراب والدمار الذي لحق بالمنطقة العربية، هو أفتقار شعوبها إلى أبجديات (التربية على الديمقراطية) وتجاهل ملوكها وحكامها إلى كل ما يمت بصلة (التربية على المواطنية) لاعتقادهم المنفعي أن السلطة السياسية في الدولة ملكاً حصلوا عليه بالتوريث أو عن طريق الانقلابات العسكرية المدعومة من دول أجنبية، كما أنها ليست هبة من أحد، ولا هي حق آلهي، ولا فريضة دينية، ولا مغنم بالغلبة، أنها وظيفة موكولة بالتعاقد، وهدفها مرسوم في العقد، والعمل بموجب حقوقها وواجباتها محدد ضمن مهلة زمنية متعاقد عليها ومدى أهمية مبدأ (العقد) في مفهوم المواطنية، المستباحة بالأمس واليوم..!