التجربة‭ ‬اليابانية‭.. ‬نصر‭ ‬بلا‭ ‬رصاص- نواف شاذل طاقة

في‭ ‬خضمّ‭ ‬الاستقطاب‭ ‬الحاد‭ ‬الذي‭ ‬طبع‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة‭ ‬بين‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬والاتحاد‭ ‬السوفيتي،‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬الحرب‭ ‬الكورية‭ (‬1950–1953‭) ‬مجرد‭ ‬مواجهة‭ ‬عسكرية‭ ‬محدودة،‭ ‬بل‭ ‬شكّلت‭ ‬لحظة‭ ‬مفصلية‭ ‬أعادت‭ ‬تشكيل‭ ‬توازنات‭ ‬القوة‭ ‬في‭ ‬شرق‭ ‬آسيا،‭ ‬وفتحت،‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬غير‭ ‬مباشر،‭ ‬نافذة‭ ‬تاريخية‭ ‬نادرة‭ ‬أمام‭ ‬اليابان‭ ‬للنهوض‭ ‬من‭ ‬تحت‭ ‬ركام‭ ‬الهزيمة‭.‬

عقب‭ ‬استسلامها‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭ ‬عام‭ ‬1945،‭ ‬وجدت‭ ‬اليابان‭ ‬نفسها‭ ‬دولة‭ ‬منكوبة‭ ‬بكل‭ ‬المقاييس‭: ‬دمار‭ ‬شامل،‭ ‬اقتصاد‭ ‬منهار،‭ ‬مجتمع‭ ‬مثقل‭ ‬بالفقر‭ ‬والمرض،‭ ‬وصدمة‭ ‬إنسانية‭ ‬عميقة‭ ‬خلّفها‭ ‬القصف‭ ‬الذري‭ ‬غير‭ ‬الاخلاقي‭ ‬لهيروشيما‭ ‬وناغازاكي‭. ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الخلفية،‭ ‬وتحت‭ ‬إدارة‭ ‬الجنرال‭ ‬دوغلاس‭ ‬ماكارثر،‭ ‬اتجهت‭ ‬السياسة‭ ‬الأمريكية‭ ‬في‭ ‬بدايتها‭ ‬إلى‭ ‬تحييد‭ ‬اليابان‭ ‬استراتيجيًا،‭ ‬عبر‭ ‬تفكيك‭ ‬بنيتها‭ ‬العسكرية‭ ‬وإعادة‭ ‬صياغة‭ ‬نظامها‭ ‬السياسي‭ ‬بما‭ ‬يضمن‭ ‬عدم‭ ‬عودتها‭ ‬قوةً‭ ‬مهدِّدة‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬منطق‭ ‬الجغرافيا‭ ‬السياسية‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬الثبات‭. ‬فمع‭ ‬انتصار‭ ‬الشيوعيين‭ ‬في‭ ‬الصين‭ ‬عام‭ ‬1949،‭ ‬واندلاع‭ ‬الحرب‭ ‬الكورية‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬بعام‭ ‬واحد،‭ ‬أعادت‭ ‬واشنطن‭ ‬ترتيب‭ ‬أولوياتها‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬جذري‭. ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬اليابان‭ ‬مجرد‭ ‬دولة‭ ‬مهزومة‭ ‬ينبغي‭ ‬احتواؤها،‭ ‬بل‭ ‬تحوّلت‭ ‬إلى‭ ‬ركيزة‭ ‬لا‭ ‬غنى‭ ‬عنها‭ ‬في‭ ‬استراتيجية‭ ‬الاحتواء‭ ‬الأمريكية‭ ‬في‭ ‬آسيا‭.‬

في‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬برزت‭ ‬اليابان‭ ‬بوصفها‭ ‬قاعدة‭ ‬لوجستية‭ ‬متقدمة‭ ‬للحرب‭ ‬في‭ ‬كوريا‭. ‬وهنا،‭ ‬حدث‭ ‬التحوّل‭ ‬الحاسم‭: ‬فبينما‭ ‬كانت‭ ‬المدافع‭ ‬تدوي‭ ‬في‭ ‬شبه‭ ‬الجزيرة‭ ‬الكورية،‭ ‬كانت‭ ‬عجلة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الياباني‭ ‬منشغلة‭ ‬بالدوران‭ ‬من‭ ‬جديد‭. ‬الطلب‭ ‬العسكري‭ ‬الأمريكي‭ ‬الهائل‭ ‬على‭ ‬السلع‭ ‬والخدمات‭ ‬أعاد‭ ‬الحياة‭ ‬إلى‭ ‬المصانع،‭ ‬وحرّك‭ ‬الأسواق،‭ ‬وامتصّ‭ ‬البطالة،‭ ‬وأطلق‭ ‬دينامية‭ ‬إنتاجية‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬ممكنة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬اقتصاد‭ ‬منهك‭ ‬ومعزول‭.‬

لم‭ ‬تكن‭ ‬تلك‭ ‬مجرد‭ ‬استفاقة‭ ‬عابرة،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬الشرارة‭ ‬الأولى‭ ‬لما‭ ‬سيُعرف‭ ‬لاحقًا‭ ‬بـ‭”‬المعجزة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬اليابانية‭”. ‬فقد‭ ‬وفّرت‭ ‬الحرب‭ ‬الكورية‭ ‬لليابان‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬تسميته‭ ‬بـ‭”‬الفرصة‭ ‬القسرية‭”‬؛‭ ‬فرصة‭ ‬لم‭ ‬تصنعها‭ ‬بقرار‭ ‬داخلي‭ ‬خالص،‭ ‬بل‭ ‬فرضتها‭ ‬تحولات‭ ‬النظام‭ ‬الدولي،‭ ‬فحسنت‭ ‬استثمارها‭ ‬بذكاء‭ ‬وكفاءة‭.‬

ومع‭ ‬توقيع‭ ‬معاهدة‭ ‬سان‭ ‬فرانسيسكو‭ ‬عام‭ ‬1951،‭ ‬التي‭ ‬دخلت‭ ‬حيّز‭ ‬التنفيذ‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬التالي،‭ ‬استعادت‭ ‬اليابان‭ ‬سيادتها‭ ‬رسميًا،‭ ‬لكنها‭ ‬كانت‭ ‬قد‭ ‬بدأت‭ ‬فعليًا‭ ‬مسارًا‭ ‬جديدًا‭: ‬من‭ ‬دولة‭ ‬مهزومة‭ ‬إلى‭ ‬شريك‭ ‬استراتيجي،‭ ‬ومن‭ ‬اقتصاد‭ ‬منهار‭ ‬إلى‭ ‬قوة‭ ‬صاعدة‭.‬

المفارقة‭ ‬اللافتة‭ ‬أن‭ ‬اليابان،‭ ‬رغم‭ ‬التزامها‭ ‬بدستور‭ ‬سلمي‭ ‬كتبها‭ ‬له‭ ‬المحتل‭ ‬يحظر‭ ‬خوض‭ ‬الحروب،‭ ‬استطاعت‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬لاعبًا‭ ‬مؤثرًا‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬حرب‭ ‬كبرى‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تطلق‭ ‬رصاصة‭ ‬واحدة‭. ‬لقد‭ ‬أدارت‭ ‬موقعها‭ ‬ببراغماتية‭ ‬مذهلة،‭ ‬فحوّلت‭ ‬قيودها‭ ‬إلى‭ ‬أدوات‭ ‬قوة،‭ ‬واستثمرت‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬حيث‭ ‬عجزت‭ ‬عن‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬العسكرة‭.‬

إن‭ ‬الدرس‭ ‬الأعمق‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬التجربة‭ ‬لا‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬خصوصيتها‭ ‬التاريخية‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬دلالتها‭ ‬المستمرة‭: ‬فالأزمات‭ ‬الكبرى،‭ ‬مهما‭ ‬بلغت‭ ‬قسوتها،‭ ‬قد‭ ‬تخفي‭ ‬في‭ ‬طياتها‭ ‬فرصًا‭ ‬استثنائية‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬اغتنام‭ ‬هذه‭ ‬الفرص‭ ‬لا‭ ‬يتحقق‭ ‬تلقائيًا،‭ ‬بل‭ ‬يتطلب‭ ‬رؤية‭ ‬استراتيجية،‭ ‬وقدرة‭ ‬على‭ ‬التكيّف،‭ ‬وجرأة‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬تعريف‭ ‬الدور،‭ ‬ونظام‭ ‬سياسي‭ ‬يخلص‭ ‬لوطنه‭ ‬ولا‭ ‬يميل‭ ‬قلبه‭ ‬إلى‭ ‬بلد‭ ‬سواه‭.‬

هكذا،‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬الحرب‭ ‬الكورية‭ ‬مجرد‭ ‬فصل‭ ‬من‭ ‬فصول‭ ‬الصراع‭ ‬الدولي،‭ ‬بل‭ ‬كانت،‭ ‬بالنسبة‭ ‬لليابان،‭ ‬بداية‭ ‬قصة‭ ‬نهوض‭ ‬جديد‭. ‬والسؤال‭ ‬الذي‭ ‬يفرض‭ ‬نفسه‭ ‬اليوم‭: ‬كم‭ ‬من‭ ‬الأزمات‭ ‬التي‭ ‬نعيشها‭ ‬تحمل‭ ‬في‭ ‬طياتها‭ ‬فرصًا‭ ‬مماثلة،‭ ‬وكم‭ ‬منها‭ ‬نُحسن‭ ‬قراءته‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يفوت‭ ‬الأوان‭.‬