البرقي يقرع نواقيس خطر الهويات المختلطة

حوانيت الفن بالرباط

البرقي يقرع نواقيس خطر الهويات المختلطة

فيصل عبد الحسن

الرباط

بدت على لوحات المعرض تأثيرات رحلة الفنان إلى هولندا، والتي أمضى فيها فترة طويلة، وتدرب هناك على أساليب الرسم، وتأثر بالعديد من الفنانين الهولنديين القدماء والمحدثين أمثال فينسنت ويليم فان كوخ ورامبرانت ويوهانس فيرمير، من القرن السابع عشر، ومن المعاصرين بيرجر جفري، فرانس بجليجي، فرانز فان، ويوب يولدر وغيرهم.

وقد أتعب قدميه بالتجوال في متاحف هولندية عديدة لكي يرى ما خلفه التشكيليون من جمال اللون وشاعرية الموضوع، وقد وضع نصب عينيه مبادىء لا يحيد عنها، كالفن أولاً، والرسم بمايمليه القلب عليه ثانياً، والحكمة البالغة التي يحملها اللون لعيني الرائي ثالثاً.

عدد لوحاته تجاوز الخمس والعشرين لوحة، وقد عرضها في معرضه ـــ ضمن حوانيت ومشاغل الفن لبيع اللوحات بالرباط ــ وعدد اللوحات قابل للزيادة والنقصان ــ فشعيب البرقي لا يزال يعمل على لوحات جديدة، كما أن لوحاته المنجزة في المعرض معروضة للبيع للجمهور صباحاً مساءً، وهي مشاريع بيع في كل لحظة.

أسرار الخلق ويمرالجمهورعادة بهذه الحوانيت، وسط المدينة، وقريباً من إحدى ميادينها المهمة، وهذه ” الحوانيت ــ المعارض ” التي خصصتها وزارة الثقافة المغربية للفنانين المغاربة بأجور كراء يتفق عليها معهم. والغرض من هذه الخطوة تشجيع الفنانين المغاربة على الإنتاج الفني، كما أنها بذلك وفرت لهم فرصة اللقاء المباشر بالجمهور، ومعرفة أي فن يرغبون به ويفضلونه؟

ألوان لوحات البرقي كانت معظمها ساخنة، خصوصاً في لوحاته الأنطباعية، فالطبيعة المغربية، طبيعة حادة التضاريس، فيها الضوء المشع والظلمة المعتمة، وفيها الظل التام أما الجزء المضاء، فهو شديد الأشراق.

وتجد في الطبيعة الحقيقية حولك من الرحمة الإلهية ما يشعرك بدنو الخالق ” الله تعالى ” منك كثيراً متمثلاً بما خلق من جمال، وما حمل كل جانب منها من رسائل محبة منه تعالى لعباده.

لذلك فالكثير من الفنانين المغاربة أو الأجانب، الذين حاولوا رسم الطبيعة المغربية حاولوا ان يضعوا فيها روح الفرح التي يشعرونها أثناء الرسم، وبعضهم نجح، والقسم الآخر أعاد المحاولة أكثر من مرة، لينجح أخيراً في تقديم لوحات القليلة كنماذج شاعرية عن الطبيعة فيها أسرار الخلق الإلهي.

وقد جعل الفنان البرقي همه في نقل أسرار هذا الجمال في أكثر من لوحة من لوحاته، وركز في لوحات أخرى على وضع بصمة خاصة به برسم آلة العود والعازفين المطرّبشين ” الذين يضعون الطرابيش الحمرعلى رؤوسهم ” وهو اللباس التقليدي للفرق الموسيقية المغربية الشعبية.

التوقيع

وتميز رسم الفنان للوحاته بأعتماد فن التوقيع في رسم الخطوط، فخطوطه المتناثرة جعلها وسيلة لرسم الشخصيات والأشياء، فبدت مجموعة لتواقيع تمتد وتتناثر في طول وعرض اللوحة، لترسم لنا هيئة بصرية توحي لنا بأشكال محددة أراد أن يظهرها لنا الفنان.

وتميزت اللوحات التي رسم فيها فنون التبوريدة المغربية ” الفروسية ” بإنها مؤدية لأظهار الحركة، فالتوقيع الذي أعتمده كخطوط أولية لرسمته حوّل البنادق طويلة المأسورة، التي تستخدم في التبوريدة عادة إلى سيوف ورماح.

وهي لفتة فنية تعيد الفكر إلى الوراء إلى فترة ما قبل أكتشاف البارود، وأستعماله في القرن السابع عشر، أنه أعاد الفروسية إلى عهدها العربي الأول، عهد السيف والرمح والنشاب والخيول الأصيلة والفرسان المولعين بركوب الخيول، واللعب عليها أمام الناس المسرورين للأحتفال بالحياة والفروسية.

لوحات شعيب البرقي التجريدية تذكر بهويتين، أحداهما هويته المغربية المستمدة مما كان ينسجه النساج المغربي القديم، ومما يضعه على زربيته المنسوجة من مربعات، ومستطيلات ملونة بالأحمر والأصفر والأخضر والأزرق.

فتشع الألوان والأشكال الهندسية في عيون زوار البيوت، والمضايف والخيام، كورود الطبيعة وأشجارها، وأيضاً ما يفعله صانعو الحقائب الجلدية من توشيات وألوان لتجميل منتوجاتهم في عيون من يشتريها منهم.

وماتفعله المطرّزات من فنون التطريز وخياطة الدانتيل والتوشيات الذهبية عند اعداد أثواب العروس في الزواجات التقليدية بالبوادي المغربية وعند سفوح جبال الأطلس.

أما الهوية الغربية التي تبدو في بعض لوحاته، فهو يجاهد فيما يبدو للخلاص منها وقد لصقت به بسبب رحلته الهولندية، وما تعلمه هناك من فنون الرسم، فالفنان الفطري يكون عادة عرضة للكثير من التأثيرات خصوصاً في بداية خطواته مع الفن التشكيلي.

أضافة إلى ما يشعره الشرقي عادة أمام الغربي وفنونه من شعور بالنقص بسبب ما يتيحه المجتمع الأوربي للفرد الأوربي من حريات وما يتذكره الشرقي عن شرقه من تقصير يصل إلى حد العجز في تقدير المواهب ورعايتها.

نواقيس خطر

وكذلك فأن الفنان شعيب البرقي فوجيء بالفنون التشكيلية الأوربية، التي رآها لأول مرة في هولندا أمامه، مجسدة بلوحات معروضة في المتاحف العديدة التي زارها، وشاهد وسمع تقدير الهولنديين لها، ولمن رسمها او أبدعها، مهما تواضعت مواهبهم وقل تأثيرهم. مما جعله يحاول تقليدهم خصوصاً، وهو يرسم بورتريهات لوجوه تحمل قسمات أوربية، لكنها ترتدي الملابس التقليدية المغربية، وهذا جزء من أختلاط الهويتين الغربية والمغربية لدى الفنان شعيب البرقي.

وقد بدا هذا واضحاً في الكثير من أعماله المعروضة في المعرض أو تلك التي أنجزها وباعها لسائحين أجانب زاروا المغرب في الصيف الماضي.  إذ تنقلك لوحاته في مشغله ومعرضه الصغير، وسط مدينة الرباط، إلى أفق اللوحة ” مختلطة الهوية ” فهي تنتمي كشكل وتقنيات إلى المدارس الأوربية في الرسم، لكنها في صميمها تمتلك روحاً عربية إسلامية، وحين تقشر حياة الفنان تجد أن لا غرابة في هذا الأختلاط .

والمشكلة هي مشكلة العديد من الفنانين المغاربة، الذين قضوا فترات طويلة خارج بلادهم، في فرنسا وباقي الدول الأوربية بسبب ظروف دراستهم في الخارج أو بسبب بحثهم عن فرصة لأثبات وجودهم خارج بلادهم، فعادوا إلى المغرب بهويات فنية مختلطة.

الهوية الغربية طغت على رسومات الفنان المغربي شعيب البرقي في معرضه الأخير، ونقلت رسائل عديدة للمسؤولين عن الفنون التشكيلية في المغرب وباقي الدول العربية.

فهي تقرع نواقيس خطر الهويات المختلطة في الفن التشكيلي، للتحذير، للأهتمام بأصالة فنوننا وفنانينا من خلال أتاحة جميع الفرص الممكنة أمامهم للعيش الكريم، وتطوير ملكاتهم الفنية في بلدانهم.