الإنهيار.. رواية تقترب من الخيال العلمي – شكر حاجم الصالحي

 

الإنهيار.. رواية تقترب من الخيال العلمي – شكر حاجم الصالحي

هذه واحدة من اهم الروايات التي تقترب من الخيال العلمي لمؤلفها “لاو سبيس” تعريب الشاعر “حسين نهابة”، كما ستتضح اهميتها من خلال موضوعتها وملابسات احداثها. وقبل تقديم قراءتنا الانطباعية هذه عنها، لابد من الاشارة الى اننا نقرأ لأول مرة لمؤلفها الذي لم نتعرف على منجزاته الابداعية ولا عن اي معلومة تنفعنا في التعرف على بيئته وبلده واللغة التي كتب بها “الانهيار”. وكان اولى بالشاعر “حسين نهابة” “معربها” ان يفيدنا في ترجمة لشخصية المؤلف وايراد كشف تفصيلي بما انجز من اعمال قبل هذه الرواية. واظن ذلك من متطلبات الاحاطة الضرورية لمعرفة ما يهم القارئ ويجعله على تماس بمؤلفها. و[الانهيار] تتألف من تسعة فصول وخاتمة موجزة ويبدو ان المؤلف بذر في رحمها امكاناته الباهرة وجعلها تتوفر على شروط تحويلها الى عمل مسرحي ناجح، اذ كان الحوار يشكل النسيج السائد في صياغة احداثها، وايصال مضامينها الى جمهورها بظروف افضل وبوسائل اقل اسرافاً في تكديس مفرداتها المتشابكة. على اية حال هذه الملاحظات لا تقلل من اهميتها كرواية صالحة للقراءة، وتعزز ثقتنا بقدرات “حسين نهابة” الذي ادار مقود تعريبها بمهارة لافتة للانتباه. عقدة الرواية وثيمتها الرئيسة تتناول حدثاً علمياً مفترضاً اخترعه الاستاذ “روبرت كولينز” الذي نجح في اجراء بحوثه على موضوعة متخيلة تتلخص في بعث الحياة في المخ بعد موت صاحبه الذي اعتبرته هيئة المحلفين خروجاً على النواميس الموروثة، متهمة “كولينز” بالإلحاد والخروج المتعمد على المسار الذي حددته السلطات العليا. ورغم ما تعرض له هذا الباحث المبتكر من اضطهاد ومحاكمة جائرة، الاّ انه واصل ابحاثه وتجاربه لخدمة البشرية واطلاق طاقاتها المكبوتة بفعل قوى التسلط المهيمنة حتى تحقيق حلمه في الانتصار والخروج الى عالم الانعتاق الذي تسطع فيه الان شمس الحرية والعدالة والحق:

رنّ صوت المدّعي العام على حين غرة ممزقاً الصمت بعنف. كان صوتاً مُتكلِّفاً،  مليئاً بنبرات غريبة، لدرجة تجعله قبيحاً.

أستاذ روبرت كولينز، لقد استُدعيت إلى هذه المحكمة لتوضح لنا الإلحاد الذي يسود أعمالك العلمية، بصورة منفصلة عن الخط الذي حددتْه السلطات العليا – والتفت نحو الذين كانوا يشغلون الكراسي خلف الطاولة الفخمة – أيها السادة نحن نجهل تجارب المتهم، لكننا واثقين بأنها أبحاث ذات خطر كبير على مجتمعنا لأنها مكرّسة، حسب المعلومات التي وصلتني، لبعث الحياة في المخ بعد موته، وهذا مخالف لكل القوانين والأنظمة التي وضعها مجلس الإدارة من أجل خير شعوب دول العالم.

جدل وتلاسن

ويستمر الجدل والتلاسن بين الباحث العالم “روبرت كولينز” وبين المدعي العام وهيئة المحلفين التي لا تريد للعلم ان يسود وللعقول المبدعة ان تكشف ما هو مفيد للإنسانية التي تتوق للخلاص من الواقع الفاسد الذي تديره فئة من المتسلطين اعداء الحياة والتقدم:

ماذا تحاول أن تقول ؟ – زأر المدّعي العام. شيء بسيط جدًّا: لماذا أدَع مخًّا متفوِّقًا… عقلًا مكرَّسًا لأعمال خير الإنسانية يخفق في موت غادر، في الوقت الذي كان بإمكانه أن يواصل عمله لفترة زمنية أطول؟

صمْت عميق. أطْبق عينيه من جديد، كأنه يداعب أفكاره بوِدّ. ثم واصل بصوت يُسمع بالكاد:

– اكتشفتُ دورة عقلية جديدة. شيء يُبطل الخطر الذي يحيقها… أنا قادر على جعل العقل البشري يواصل مهمته حتى بعد موت الجسد البشري.

وارتسمت الدهشة على وجوه الجميع، بينما افتر ثغر المدّعي العام عن ابتسامة.

أعتقد أنكم سمعتم ما قاله المتّهم توًّا.

وران عليهم صمت قطّعه كولينز:

أرى أنكم لم تستوعبوا أهمية اكتشافي. إن رغبتي تنحصر في الحيلولة دون فشل هذه العقول.

وهكذا يستمر جدل العلم والنور مشتبكاً بأسانيد العقل المبدع لتبديد ظلمة الكون، واطلاق قدراته الخلاقة، لكن قوى الاستبداد والجهل تواصل تصديها محاولة تكريس هيمنتها واشاعة مفاهيمها الظلامية كي لا يتحرر الانسان من سطوتها. لكن الارادة الفذة والعقل النير والافكار الخيرة هي التي تنتصر في خاتمة الصراع، اي صراع مهما بغت القوى النافذة واستخدمت اقذر أساليبها في مناوئة قيم الخير والجمال والتقدم:

منذ عشرين عامًا -قال بصوت هادئ- والبشرية تعاني من أبشع استبدادات وضغوط عرفها الإنسان. لماذا يجب أن يحدث هذا دائمًا؟ لماذا السلطة ضد الذكاء، ولماذا تريد أن تخنقه وتسحقه وتخضعه لمصالحها غير المعقولة؟ الجواب معروف منذ قديم الزمان: الذكاء هو الشقيق الأكبر للحرية وهو بالتالي يُعد عائقًا ذات أهمية كبيرة للسلطة حين يعارض رغبات البشر. اليونان وحتى العالم كلّه ضحّى بمفكِّريه عندما اكتشفوا جوهر السلطة المتعفِّن. والآن، نحن أنفسنا بعد الفين وخمسمائة سنة، نواجه المشكلة ذاتها… نجد أنفسنا أمام موقف مماثل، لأن السلطة ترغب بترسيخ دعائم طمعها باستخدام اكتشافات العلم. أنا أرفض رفضًا قاطعًا تطويع اكتشافي لخنق الإنسان. لقد قمتُ به من أجل مساعدته وليس من أجل إلحاق الضرر به…

سياق درامي

اٍذاً… أتضحت من هذا السياق الدرامي المقنع، فلسفة الرواية وجوهرها الانساني في تطويع الاكتشافات الجديدة لخدمة البشرية، ولهذا نجد في واقعنا الراهن ان السلطات الحاكمة في بلدان التخلف والجهل غالباً ما تقصي الكفاءات واصحابها عن مصادر القرار وتجنّد في خدمتها جيشاً من مزوري الشهادات والاميين والفاسدين الذين يقفون بوجه رياح التطور والرقي والحياة الكريمة – أليس واقعنا مثالاً صارخاً على هذه المعادلة القاتلة؟ وبأصرار “روبرت كولينز” على بحوثه الرائدة وتصديه الحازم لقوى التسلط ممثلة بهيئة المحلفين ومدعيها العام، تكون النهاية محسومة لإبداعات العقل التنويري والضوء الكاشف لمثل الانسان الراقية وسعيه لبناء عالم خالٍ من الحروب والامراض والمجاعة. ولنتصور ما اقدمت عليه هيئة المحلفين وما قررته بحق البروفيسور “روبرت كولينز” وما يتماثل مع ما يجري من انتهاكات في بلدان التخلف الشرق اوسطية:

قررت هيئة المحلفين ما يلي: يُحرم البروفيسور كولينز من كافة مناصب التعليم التي يشغلها الآن ويُخلع منه لقب شخصية علمية، ويُحرّم عليه القيام بأي نوع من البحوث… وسيغلق مختبر الجامعة دونه، وكذلك جميع مراكز البحث التي يمكن أن يدخل إليها متذرعًا بأية حجة. وستُحطم كافة الأجهزة الموجودة الآن. وسيُحذف اسمه من الموسوعة العلمية.

ومع كل هذه الاجراءات التعسفية القسرية والحرمانات الظالمة، لم توقف عزيمة هذا العالم الباحث عن سعادة الانسان واعلاء شأنه في كل ما يستحق من حياة رغيدة مبنية على تكافؤ الفرص واشاعة قيم العدالة واحترام كل ما يتعلق بحرياته وكرامته:

“اجتاز الممر الطويل المقفر لقصر العدالة. لم يكن هناك أحد… لا الصحفيين ولا مصوري التلفزيون. والسبب معروف بالطبع، إذ إن السلطة كانت واثقة من الحكم الذي أُصدر مسبقًا.

وحيدًا…

هكذا ألفى نفسه بدءًا من هذه اللحظة… وحيدًا تمامًا”

ولكن مسيرته ستتواصل رغم تجريده من صفاته العلمية وغلق مختبرات البحوث امام مشاريعه، فالأمل ينتظره هناك الشباب الذي يكمل المسيرة ويوفر له مستلزمات البحث السرية:

وحيدًا…

شخص ما ربت في تلك اللحظة على كتفه.

بروفيسور.

رفع رأسه.

كان ثمّة شاب لم يره قط ، يبتسم له بلطف.

ماذا تريد؟

تعال، سأوصلك بسيارتي… يجب أن أتحدث معك.

انه المستقبل الذي ينتظره من اجل السعي الحثيث لإكمال ما بدأه من بحوث جديرة بالتقدير، وهكذا انتصرت ارادة “روبرت كولينز” بطل هذه الرواية الجميلة، والتي امتعتنا بأحداثها وحفزت فينا الرغبة على التشبث بنور العلم والعدالة والوقوف بوجه مرتكبي القتل والدمار والظلم ..

ان [الانهيار] رواية كشفت عن جوهر الانسان وتمسكه بأفكاره النيرة، ومن هنا ادعو قراء العربية الى الاطلاع على فصولها، ففيها الكثير من الانحياز للمعرفة والخير والجمال…

شكراً لمن عّربها وقدّمها لنا أنيقة ذات رسالة تحمل معاني الاصرار والرسوخ في الموقف السليم.