الإسكندرية تودع الترام التاريخي

 

الاسكندرية‭ (‬مصر‭) (‬أ‭ ‬ف‭ ‬ب‭) – ‬بمحاذاة‭ ‬شاطئ‭ ‬البحر‭ ‬المتوسط‭ ‬في‭ ‬الإسكندرية،‭ ‬يقوم‭ ‬أقدم‭ ‬ترام‭ ‬في‭ ‬إفريقيا‭ ‬برحلاته‭ ‬الأخيرة‭ ‬قبل‭ ‬إزالته،‭ ‬ضمن‭ ‬خطة‭ ‬جديدة‭ ‬للتطوير‭ ‬العمراني،‭ ‬يخشى‭ ‬سكان‭ ‬المدينة‭ ‬أن‭ ‬تمحو‭ ‬هويتها‭.‬

‭ ‬وتتضمن‭ ‬الخطة‭ ‬إبدال‭ ‬الترام‭ ‬ذي‭ ‬العربات‭ ‬الملوّنة‭ ‬التي‭ ‬يتجاوز‭ ‬عمرها‭ ‬160‭ ‬عاما،‭ ‬بقطار‭ ‬خفيف‭ ‬جديد،‭ ‬في‭ ‬مسارات‭ ‬عادية‭ ‬وأخرى‭ ‬معلقة،‭ ‬ما‭ ‬أثار‭ ‬استياء‭ ‬بين‭ ‬سكان‭ ‬المدينة‭.‬

‭ ‬وتقول‭ ‬الباحثة‭ ‬العمرانية‭ ‬نهلة‭ ‬صالح‭ ‬إن‭ ‬الترام‭ ‬أصبح‭ ‬من‭ ‬تراث‭ ‬الإسكندرية،‭ ‬وليس‭ ‬مجرّد‭ ‬وسيلة‭ ‬مواصلات‭.‬

‭ ‬فقد‭ ‬أنشئ‭ ‬ترام‭ ‬الإسكندرية‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬1863،‭ ‬وهو‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬أقدم‭ ‬القطارات‭ ‬الخفيفة‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬ومن‭ ‬القطارات‭ ‬القليلة‭ ‬التي‭ ‬ترتفع‭ ‬بطبقتين‭.‬

‭ ‬وخلال‭ ‬القرنين‭ ‬الماضيين،‭ ‬كان‭ ‬للترام‭ ‬دور‭ ‬محوري‭ ‬في‭ ‬تحول‭ ‬الإسكندرية‭ ‬إلى‭ ‬عاصمة‭ ‬ثقافية‭ ‬تعج‭ ‬بالحياة‭ ‬وتقيم‭ ‬فيها‭ ‬جاليات‭ ‬أوروبية‭ ‬كبيرة‭ ‬ومتنوعة‭.‬

‭ ‬واليوم،‭ ‬يحمل‭ ‬القطار‭ ‬في‭ ‬رحلاته‭ ‬الأخيرة‭ ‬مصريين‭ ‬أتوا‭ ‬من‭ ‬مدن‭ ‬عدة‭ ‬لوداعه،‭ ‬قبل‭ ‬إزالته‭ ‬بشكل‭ ‬كامل‭ ‬بحلول‭ ‬نيسان‭/‬أبريل‭.‬

‭ ‬مع‭ ‬اقتراب‭ ‬الترام‭ ‬من‭ ‬محطة‭ ‬الرمل‭ ‬التاريخية،‭ ‬ينظر‭ ‬الركاب‭ ‬من‭ ‬نوافذه‭ ‬الضخمة‭ ‬إلى‭ ‬المباني‭ ‬ذات‭ ‬الطراز‭ ‬الإيطالي‭ ‬المحيطة‭ ‬بالميدان‭ ‬القديم‭.‬

‭ ‬تقول‭ ‬الطبيبة‭ ‬النفسية‭ ‬والكاتبة‭ ‬منى‭ ‬لملوم‭ ‬لوكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭ “‬لسنا‭ ‬ضد‭ ‬التطوير‭ ‬ولكن‭ ‬لدينا‭ ‬تجارب‭ ‬سيئة‭ ‬في‭ ‬الإسكندرية‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يطلقون‭ ‬عليه‭ +‬تطوير‭+‬،‭ ‬حتى‭ ‬إنها‭ ‬أصبحت‭ ‬كلمة‭ ‬مرادفة‭ ‬للتدمير‭”.‬

‭ ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬ترى‭ ‬لملوم‭ ‬أن‭ ‬القطار‭ ‬القديم‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬صيانة‭ ‬وعناية،‭ ‬إذ‭ ‬تغطي‭ ‬طبقات‭ ‬الغبار‭ ‬الكثيفة‭ ‬عرباته‭ ‬الزرقاء‭ ‬التي‭ ‬كُتبت‭ ‬أرقامها‭ ‬ووجهاتها‭ ‬بخط‭ ‬اليد،‭ ‬وتُلقى‭ ‬القمامة‭ ‬على‭ ‬أرضيته‭ ‬المطاطية‭ ‬الممزقة‭.‬

‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة،‭ ‬قضت‭ ‬أعمال‭ ‬التطوير‭ ‬في‭ ‬الإسكندرية‭ ‬على‭ ‬حدائق‭ ‬تاريخية‭ ‬وفتحت‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬خصخصة‭ ‬ساحل‭ ‬المتوسط‭ ‬وإغلاق‭ ‬أجزاء‭ ‬كبيرة‭ ‬منه‭ ‬أمام‭ ‬المواطنين‭.‬

  ‬منذ‭ ‬قرن‭ ‬ونصف‭ ‬القرن،‭ ‬يسير‭ ‬الترام‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬الإسكندرية‭ ‬بموازاة‭ ‬ساحل‭ ‬المتوسط،‭ ‬لمسافة‭ ‬11‭ ‬كيلومترا،‭ ‬تمر‭ ‬بمدارس‭ ‬المدينة‭ ‬وجامعاتها‭ ‬ومستشفياتها‭.‬

‭ ‬ومع‭ ‬حركته‭ ‬البطيئة‭ ‬وتوقفه‭ ‬المتكرر‭ ‬بسبب‭ ‬المسافات‭ ‬القصيرة‭ ‬بين‭ ‬محطاته،‭ ‬أصبح‭ ‬صوته‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬الهوية‭ ‬الصوتية‭ ‬للمدينة‭.‬

‭ ‬أما‭ ‬المشروع‭ ‬الجديد‭ ‬الذي‭ ‬تنفذه‭ ‬شركات‭ ‬مصرية‭ ‬وعالمية‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬هيونداي‭ ‬وهيتاشي،‭ ‬فهو‭ ‬لقطار‭ ‬سرعته‭ ‬مضاعفة،‭ ‬وسعته‭ ‬أكبر‭ ‬بثلاث‭ ‬مرات،‭ ‬وفيه‭ ‬مسارات‭ ‬علوية‭ (‬عربات‭ ‬معلّقة‭ ‬بسكّة‭ ‬علوية‭) ‬وأخرى‭ ‬عادية‭ ‬على‭ ‬سكك‭ ‬أرضية‭.‬

‭ ‬ويخشى‭ ‬السكان‭ ‬أن‭ ‬تؤدي‭ ‬المحطات‭ ‬العلوية‭ ‬إلى‭ ‬إبدال‭ ‬السكة‭ ‬الحديدية‭ ‬القديمة‭ ‬التي‭ ‬تجاورها‭ ‬الأشجار،‭ ‬بعواميد‭ ‬خرسانية‭ ‬تشوه‭ ‬المدينة‭.‬

‭ ‬تقول‭ ‬وزارة‭ ‬النقل‭ ‬إن‭ ‬مشروع‭ ‬القطار‭ ‬الجديد‭ “‬يُعد‭ ‬الحل‭ ‬الوحيد‭ ‬لمواجهة‭ ‬المشكلات‭ ‬المرورية‭ ‬التي‭ ‬تعاني‭ ‬منها‭ ‬المحافظة‭”‬،‭ ‬بينما‭ ‬يرى‭ ‬سكان‭ ‬محليون‭ ‬مثل‭ ‬صالح‭ ‬ولملوم‭ ‬أن‭ ‬توقف‭ ‬الترام‭ ‬سيزيد‭ ‬من‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬السيارات‭ ‬الخاصة‭ ‬ما‭ ‬يفاقم‭ ‬الأزمة‭ ‬المرورية‭.‬

‭ ‬ونظرا‭ ‬لاعتماد‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الطلاب‭ ‬على‭ ‬الترام،‭ ‬جرى‭ ‬تعديل‭ ‬ساعات‭ ‬الدراسة‭ ‬في‭ ‬المدارس‭ ‬والجامعات‭ ‬بشكل‭ ‬متدرج‭ ‬لاستيعاب‭ ‬التأخير،‭ ‬منذ‭ ‬بدء‭ ‬الإغلاق‭ ‬الجزئي‭.‬

‭ ‬وتقول‭ ‬نهلة‭ ‬صالح‭ “‬الزحام‭ ‬يزداد‭ ‬سوءا‭ ‬بالفعل‭.. ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬إغلاق‭ ‬القطار‭ ‬الداخلي‭ ‬منذ‭ ‬عامين‭”‬،‭ ‬ضمن‭ ‬مشروع‭ ‬تطوير‭ ‬لقطار‭ ‬آخر،‭ ‬لم‭ ‬يُعلن‭ ‬بعد‭ ‬عن‭ ‬موعد‭ ‬إعادة‭ ‬افتتاحه‭.‬

‭ ‬ويعتبر‭ ‬بطء‭ ‬حركة‭ ‬الترام‭ ‬أحد‭ ‬مميزاته‭ ‬لأنه‭ ‬يسمح‭ ‬للفئات‭ ‬الأضعف،‭ ‬مثل‭ ‬كبار‭ ‬السن‭ ‬والأطفال،‭ ‬باستخدامه‭.‬

‭ ‬اعتاد‭ ‬هشام‭ ‬عبد‭ ‬الوهاب،‭ ‬وهو‭ ‬مدرس‭ ‬علوم‭ ‬متقاعد‭ ‬يبلغ‭ ‬64‭ ‬عاما،‭ ‬استخدام‭ ‬الترام‭ ‬منذ‭ ‬طفولته‭.‬

‭ ‬ويقول‭ ‬لوكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭ ‬أثناء‭ ‬الانتظار‭ ‬في‭ ‬إحدى‭ ‬المحطات‭ “‬لا‭ ‬أريد‭ ‬أن‭ ‬يسير‭ ‬الترام‭ ‬بسرعة،‭ ‬بل‭ ‬أريد‭ ‬الاستمتاع‭ ‬بمنظر‭ ‬الشارع‭ ‬أثناء‭ ‬ركوبه‭”.‬

‭ ‬ويضيف‭ “‬كان‭ ‬الترام‭ ‬وسيلة‭ ‬النقل‭ ‬الوحيدة‭ ‬التي‭ ‬يسمح‭ ‬لنا‭ ‬أهلنا‭ ‬بركوبها‭ ‬لأنها‭ ‬آمنة‭.. ‬أنا‭ ‬أملك‭ ‬سيارة‭ ‬ولكني‭ ‬أتركها‭ ‬وأركب‭ ‬الترام‭ ‬لأني‭ ‬تعودت‭ ‬عليه‭”.‬

  ‬يقول‭ ‬عبد‭ ‬الوهاب‭ “‬الترام‭ ‬بالنسبة‭ ‬لنا‭ ‬تراث‭. ‬هو‭ ‬حياتنا‭ ‬وماضينا‭”‬،‭ ‬ويتفق‭ ‬معه‭ ‬ركّاب‭ ‬يصغرونه‭ ‬بعقود،‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬طالب‭ ‬الهندسة‭ ‬محمود‭ ‬بسام‭ ‬‭(‬24‭ ‬عاما‭) ‬الذي‭ ‬يقول‭ “‬حين‭ ‬سمعت‭ ‬أنهم‭ ‬سيزيلون‭ ‬الترام‭ ‬في‭ ‬الإسكندرية‭ ‬حزنت‭ ‬كثيرا‭”.‬

‭ ‬يُعرب‭ ‬عبد‭ ‬الوهاب‭ ‬عن‭ ‬أسفه‭ ‬لما‭ ‬يجري،‭ ‬ويقول‭ “‬خسرنا‭ ‬الترام‭ ‬القديم‭ ‬والبحر‭”. ‬ففي‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة،‭ ‬انتشرت‭ ‬المطاعم‭ ‬والأنشطة‭ ‬التجارية‭ ‬بطول‭ ‬كورنيش‭ ‬الإسكندرية،‭ ‬لتحجبه‭ ‬عن‭ ‬أعين‭ ‬المارة‭.‬

‭ ‬وبحلول‭ ‬عام‭ ‬2024‭ ‬اختفى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬نصف‭ ‬الشاطئ‭ ‬وراء‭ ‬الأسوار،‭ ‬وفق‭ ‬دراسة‭ ‬لمركز‭ ‬الإنسان‭ ‬والمدينة‭ ‬للأبحاث‭ ‬الإنسانية‭ ‬والاجتماعية‭.‬

‭ ‬وتقول‭ ‬منى‭  ‬لملوم‭ “‬كل‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬رؤيته‭ ‬الآن‭ ‬هو‭ ‬الخرسانة‭”‬،‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬تعتبره‭ ‬سياسة‭ “‬قصيرة‭ ‬النظر‭” ‬تجرّد‭ ‬المدينة‭ ‬من‭ ‬سحرها‭.‬

‭ ‬وتتسائل‭ ‬نهلة‭ ‬صالح‭ “‬السياح‭ ‬يأتون‭ ‬لرؤية‭ ‬الترام‭ ‬والبحر،‭ ‬فلمَ‭ ‬حجبهما؟‭”.‬