الأديب نبيل ياسين :الشعر كالأديان تصنع طقوسها للناس لينعموا بالطمأنينة

الأديب نبيل ياسين :الشعر كالأديان تصنع طقوسها للناس لينعموا بالطمأنينة

احمد جبار غرب

هكذا يرى المثقف والسياسي العراقي د.نبيل ياسين (من مواليد بغداد 1950) مكانة الشعر في حوار تطغى فيه السياسة على الأدب ولا تنفصل عنه، وهو الشاعر الذي ارتبط اسمه بمنع مجموعته الشعرية ” الشعراء يهجون الملوك” فى العراق في فترة السبعينيات، حيث كان من أوائل المعارضين لنظام البعث منذ بدايته عام 1968 وهو ما أدى إلى إدراج اسمه في القوائم السود التي أعدتها السلطة العراقية عام 1974 وتم منعه بناءً عليها من العمل في الإذاعة والصحافة في العراق وخروجه لاحقاً للحصول على الدكتوراه من أكاديمية العلوم الهنغارية, قسم الفلسفة والعلوم السياسية والاجتماعية عن التشكيلات الاجتماعية والاقتصادية وعلاقتها بالثقافة والأيديولوجيا في الشرق الأوسط 1986

{ أيهما تختار لقب السياسي، أم الأديب؟

اضطر الشعراء والفلاسفة فى أوروبا لدخول معترك السياسة ليكونوا تنويريين مثل فولتير، وروسو، وهيجل، وغيرهم، وفى عالمنا العربى فعل أمثال صنع الله إبراهيم، وأحمد فؤاد نجم، وأمل دنقل، وحتى نجيب محفوظ الذى مارس السياسة فى رواياته وليس فى الحقيقة، هؤلاء المثقفون الذين مارسوا السياسة منحوها رائحة العنبر والياسمين. وبالطبع الأقرب إلى قلبى لقب الأديب الذى حصدته بمؤلفاتى التى تضم مؤلفات سياسية ودواوين شعرية منها: البكاء على مسلة الأحزان (بغداد/1970) والشعراء يهجون الملوك (بغداد/ 1978الذى تم منعه من النشر لأربع سنوات)، وقصيدتان (بيروت/1981) والأخوة ياسين (لندن/ 1995) ومناحة على بلاد الرافدين(1996/ لندن)، وصهيل فى غرفة (القاهرة/ 2002) ونحو 9 مؤلفات تحت الطبع.

{ ما علاقة الشعر والرواية بالسياسة؟

– الشعر نقيض السياسة؛ لأن الشعر إنتاج، أما السياسة فهى استهلاك. وفى حين يمنح الشعر أمل الروح للناس، فان السياسة تسبب للناس القنوط من مجرد إمكانية العيش السعيد. السياسة بضاعة السياسيين والشعر بضاعة للآخرين الذى يتداولونه كالبخور والعطور والأفكار والرؤى والمشاعر والأحاسيس والهويات الثقافية والعاطفية. الشعر مثل معبد بكاهناته، وكهنته، ومرتليه، ومباخره، وصلواته، وأناشيده، وأدعيته، وزواجه المقدس. كل طاغية يخاف من الشعر؛ ولذلك يشغف الطغاة بالاستيلاء على الشعر من قبل كهنة مزيفين يدعون أنهم شعراء. كل شاعر رثى سقوط مدينة فى أعماق التاريخ سيكون حاضرا اليوم، بينما كل طاغية يذهب ليواجه مصيره وحيداً، بينما مجمع الشعراء فى العالم الآخر ينشد إيقاعاته حتى اليوم. الشعر تكوين وخلق يحول الرماد إلى ضوء.

{ رغم انشغالك بالتدريس والاشتراك فى المحافل الشعرية والكتابة للصحافة والظهور على شاشات التليفزيون، تخوض تجربة الانتخابات للمرة الثانية بعد تجربتك التى لم يحالفها الفوز فى 2010 لماذا الإصرار، وما الأفضل الذى تحرص على تقديمه عبر مجلس النواب العراقي؟

– بعد سقوط النظام، أمضيت كمستقل لا متحزب نحو عشر سنوات، أحمل مشروعى الثقافى والفكرى والسياسى وأقدم المقترحات والحلول التنويرية، ولم يجد أى منها إمكانية للوصول إلى التحقيق؛ ولذا أشعر أننى بحاجة إلى منبر أكثر قوة ووصولاً إلى الناس. السياسة لدينا أيديولوجيا متحركة وطاحنة فى صراعاتها، دون أن يكون لها تجليات فى برامج اجتماعية أو ثقافية أو خدمية، حتى اقتصاد العراق لا هوية له حتى الآن، فهو خليط من ملكية الدولة، والقطاع الخاص، والقطاع المختلط، واقتصاد السوق، والكومبرادور (طبقة البورجوازية التى سرعان ما تتحالف مع رأس المال الأجنبى تحقيقا لمصالحها)، وإنما يقوم على اقتصاد ريعى مشوه. أما الدولة فهى مفهوم مختلط بالسلطة، والعراق، ودول عربية أخرى كذلك، تعانى صراع المفاهيم واختلاطها، حيث السياسية فوق القانون، والثقافة تحت الإيديولوجيا، والمواطنة تتراجع أمام العضوية الحزبية. هكذا أجد نفسى مضطراً لممارسة السياسة للقيام بتفكيك هذه المفاهيم فى الواقع.

{ كيف تنظر لمنطقة الشرق الاوسط بعد ما يسمى بثورات الربيع العربى؟

– كانت منطقة الشرق الاوسط تتسم بما يسميه الاستشراق “حالة الركود”، ومنذ سيطرة القوميين على السلطة السياسية فى الخمسينيات والستينيات عبر انقلابات عسكرية ظلت الأنظمة تعيد إنتاج نفسها دون تجدد، تستهلك الاقتصاد دون إنتاج حقيقي، تعيش على ديون وأزمات تؤدى لتدهور اجتماعى وانغلاق آفاق المستقبل بالنسبة للملايين من شباب العاطلين. باختصار كانت عوامل انفجار ربيع عربى متوافرة ومحتدمة، أمام الغرب غير المهتم بحقوق الإنسان وتجديد الأنظمة السياسية الاستبدادية، التى تجرأت باسم الجمهورية على التوريث الملكى بسبب تفاقم ازدرائها لشعوبها، المحرومة من الحرية والسعادة.

{ رؤيتك لمحاولة التيارات الإسلامية بعد سقوط الانظمة الديكتاتورية السابقة فما السبب وراء ذلك وما أسباب فشلها؟

– فشل التيارات الاسلامية يتعلق بمنهجها الفكرى الذى يصادر حق المجتمع ويرغمه على ان يخضع لنمط تفكيره ومنهجه السلوكى النفعى وتحويل المجتمع الى مجتمع مغلق ومحاصر بتشريعات تتنافى مع الحريات، مع الأسف لم يحقق الإسلاميون خلال تسلمهم الحكم أى إنجاز حقيقي. وهو أمر يكشف عن أزمات نفسية واجتماعية طاحنة تكوى المجتمع بلهيب الاغتصاب الجسدى والنفسى والاقتصادي. الحقيقة الوحيدة التى كشف عنها تسلم قوى الاسلام السياسى للسلطة عبر الانتخابات هى تحويلهم المجتمع من مجتمع القرن الحادى والعشرين الى مجتمع القرون الوسطى. وعلى كل حال ليس لكثير من القوى السياسية الاسلامية غير العنف وسيلة للدفاع عن مشروعهم وهذه الوسيلة تثبت مرة أخرى أن الديمقراطية هى آخر ما يفكر به هؤلاء، وأن الثقافة عدوهم اللدود.