
الأخلاق والعزاء السياسي – عبدالهادي البابي
القانون الدولي ليس كتاب أخلاق ، بل هدنة بين قوى متقاربة في القدرة على التأثير والإيذاء، وحين يختل التوازن تسقط الأخلاق من الطاولة أولًا. لذلك فإن مساءلة قوة عظمى حول حقوق الإنسان بينما لا تملك ردعاً عسكرياً، ولا إقتصاداً مستقلاً، ولا تكنولوجيا سيادية ، ليست سياسة حقيقية. ما يحدث في هذه الحالة أقرب إلى العزاء الذاتي ، بل بصراحة أشد… العزاء السياسي هو تفريغ العجز في منشورات غاضبة تمنح صاحبها شعوراً مؤقتاً بالشجاعة، بينما الواقع لا يتغير. العالم لا يحكمه الأكثر أخلاقاً ولا من يملك الحق، بل من يملك التكنولوجيا والإقتصاد والقدرة على التأثير. يمتلكه من يسيطر على الفضاء والبيانات والمصانع والذكاء الإصطناعي وهو من يكتب قواعد اللعبة، بل ويعيد تعريف الإنسان نفسه. القوة الحديثة لم تعد دبابة أو صاروخاً فقط، بل أصبحت خوارزمية قادرة على تشكيل الوعي. الأخطر من القنبلة النووية هو أن تُقنعك بأنك حر بينما خياراتك كلها مبرمجة، وأن تجعلك تناقش أخلاق اللعبة بينما تجهل قواعدها. ومع ذلك ما زلنا نتعامل مع العالم كأنه ساحة خطب، بينما هو في الحقيقة طاولة شطرنج باردة. في هذا العالم لا أحد يحترم الضعيف لأنه محق، الإحترام يُمنح لمن يملك القدرة على إلحاق الضرر بخصمه.. فالأخلاق بدون قوة تتحول إلى رجاء، والرجاء في السياسة ليس موقفاً بل خضوع وتوسل..!



















