اشكالية الشعر
حسن صالح الجيزاني
في قراءاتنا للآداب عموما ، وخاصة في التاريخ الادبي العربي ، ثمة خلافات وعقد مستعصية ومشكلات تواجه الاديب والمثقف . ففي تاريخ الشعر العربي والذي كان اهم المناهل الابداعية التي ينهل منها الدارس والباحث والطالب ، نجد انه يمتاز بكثير من التوقفات في محطات معروفة ومشهورة اهمها السرقات الشعرية التي برزت كعقبة كوداء وعلة رعناء . فكثير من الشعراء اتهموا بانهم يقومون بسرقة اشعار غيرهم وكثير من الشعراء يسرقون افكار غيرهم وتوظف في قصائد تجير لهم . وربما يتساءل البعض ، هل يحتاج النابغة الجعدي او زهير بن ابي سلمى او طرفة او عنترة او غيرهم من فحول الشعراء الى السرقة لكي يقولوا الشعر وينظموه بطريقة الافادة والاستفادة ؟ وهل طرفة بن العبد او غيره يحتاج الى سرقة بيت او بيتين من الشعر لكي يجعلهما ضمن سياق شعره ؟ انها والله طامة كبرى ان صدق ذلك . وحيث ان الشعر والادب عموما هو حالة من الابداع والثقافة الخاصة والمتميزة تحسب للشاعر او للاديب ، فكيف يكون حاله ان عرف الناس به وتناولته سكاكين النقد اللاذع بحقه ؟ ان التاريخ الشعري العربي هو تاريخ مليء بالانجاز المخلد من العاطفة والابداع والتخيل الحامي والخصوبة المتفردة . وهذا مؤشر على عمق المستوى الدلالي في النظم والكتابة والابداع لانها حالة انسانية نادرة وحالة من الخلق الرفيع التي ربما لا تتوفر عند الكل . وبموازاة ذلك نجد ان بعض المؤلفين العرب يقومون بتسجيل بعض محطات الزلل في الشعر العربي وكأنها احدى صنائع السراق ولصوص الشعر كما هو الحال مع ابن سلام الذي الف كتابه الشهير ” طبقات الشعراء ” الذي بين سرقتين في الشعر هما سرقة الالفاظ وسرقة المعاني . وطبقات الشعراء كان شاهدا على الكثير من التجاوزات في الشعر وعلى كيفية ادارة القصائد الواصلة من بطون التاريخ . ويبين الكتاب ان الشعراء الكبار في كل الحقب التاريخية ، استفادوا من قصائد او ابيات من شعراء اخرين كذلك كانوا مشهورين في زمانهم . ان هذه القضية هي احدى مسالك الوصول الى الانهيار الاخلاقي في الادب حينما يكون الشاعر او الكاتب او الاديب قد سلك مسلكا مشينا في هذا المجال . لقد واجه الادب وايضا الثقافة الكثير من العقب في تاريخهما ، الا ان القائمين عليهما من ادباء وشعراء وكتاب وسواهم ، قد شعروا بان الوقوف بحزم تجاه اية قضية مشينة هو واجب والتزام ادبي واخلاقي . لقد باءت الكثير من محاولات الانتحال والسرقة في كثير من محطات التاريخ الادبي العربي لانها انكشفت امام جرأة وشجاعة البعض من الادباء الذين لم يسمحوا بتمرير تلك السرقات ووقفوا بوجهها فسجلوا تاريخا وموقفا اخلاقيا ، فما بالك بالسرقات التي لم تنكشف بعد ؟
ان احدى المسؤوليات التي تقع على عاتق المثقف والمبدع الان ، هي كيفية مواجهة الكثير من حالات التزوير والتزويق والسرقة التي حدثت وتحدث في مجال الادب والفن وخاصة في الماضي من قبل شعراء مشهورين خلدوا في عصور الشعر العربي في الجاهلية والعصر الاسلامي والعصور اللاحقة والذين قاموا بالاستفادة من اشعار غيرهم وتضمينها في شعرهم . ولما كانت تلك العصور خالية من وسائل الاتصال والتكنلوجيا والانترنت ، فان ما حدث لا يمكن الكشف عنه بسهولة . اما الان فان من واجب النقاد ان يتعرضوا لهذه المسالة المهمة ومراجعة كل الشعر العربي الواصل وفحصه بدقة باستخدام الطرق الحديثة واخراج الزائف والمنحول واعادة كتابة الشعر مرة اخرى ولكن خاليا من الملابسات والاشكالات ..


















