رسائل إلى رجل حكيم
الرسالة الخامسة والتسعون
إيه يا بغداد- مقالات – ناجي التكريتي
من كان يظن أن دولة الروم الجديدة، حاملة الشعار الصليبي في العصر الحديث، التي نطلق عليها مصطلح أمريكا، أنها ستشن ثلاثة حروب، على العراق، خلال عقد من السنين.الظن صار حقيقة، وهذا ما وقع فعلاً، وليس الى نكرانه أو الشك فيه من سبيل.
أناجيك يا بغداد تارة، وأناغيك تارة، وأرفع صوتي عالياً وأنا أخاطبك بقلب متوجع ونفس مرهفة، تارة ثالثة.ولكن ما وقع قد وقع، وأن عدو اليوم هو حفيد الأمس، وهذا الابن من ذلك الأب حتى تغيرت الهياكل وشاهت الوجوه.ثلاثة حروب في عشر سنوات، تعلنها دولة كبرى، في حساب القوة العسكرية والتقدم الاقتصادي، على بلد صغير محدود الأرض قليل السكان، من دون رادع يردعها، أو شريعة تردها، أو قانون يوقف عدوانها.لا أظن أن مثل هذا قد حدث في التاريخ، لا للدولة الظالمة المعتدية، ولا للدولة المعتدى عليها.لا اعتقد أن هناك شبيهاً، في أية فترة من فترات الزمن، أن تضرب دولة كبرى كل القوانين المدنية والشرائع السماوية عرض الحائط، لتهاجم دولة صغيرة بالنار والحديد، ثلاث مرات، في زمن قصير لا يتعدى عقداً من السنين.لم يؤذ العراق دولة الروم الكبرى في يوم من الأيام ولا عبر الجنود العراقيون بحر الظلمات، ليقتلوا سكان أمريكا الآمنين في بيوتهم، أو يهجموا بيوتهم فوق رؤوسهم، أو يحرقوا الزرع ويشعلوا النار في المكتبات.يتساءل كثير من أبنائك يا بغداد، عن السبب الذي جعل دولة الروم تعلن صليبيتها على رؤوس الأشهاد، وتعبر البحار وتقطع الفيافي والقفار. لتصب نيران الحقد على عاصمة الخلافة ودار السلام.أن العارفين ببواطن الأمور، الذين يدركون مسيرة التاريخ، وينظرون الى الحالة بعمق وإدراك، لا تخفى عليهم الأسباب، التي جعلت الروم، يقبلون غازين جائرين، في ليل بهيم.لماذا تجلب هذه الأمريكا كره الشعوب لها، وتغرس بذور الحقد في قلوب الناس ضدها في كل مكان.أما كان على هؤلاء الروم الذين أقبلوا علينا من وراء بحر الظلمات، ووجوههم تطفح بمعالم الشر والبهتان، أما كان عليهم أن يحتفظوا بحقدهم الدفين داخل صدورهم، ويتعاملوا معنا، كأناس تربطنا بهم رابطة الإنسانية، من دون تجن أو عدوان.أنا أعرف يا بغداد، أن دولة الروم هذه، على الرغم من قوتها العسكرية، فأنها تفتقر الى التراث الحضاري، الذي يبني الإنسان بناء أخلاقياً مكيناً، فيجعله يحترم نفسه، قبل أن يتعامل مع الآخرين.دولة الروم هذه، لا يزيد عمرها عن مئتي عام، كدولة لها مؤسساتها المدنية والعسكرية، أما قبل ذلك، فأن سكانها كانوا يتعاملون فيما بينهم بالحبال والمسدسات.
اذا أردت أن أرجع الى الوراء، وأنظر الى السبب أو الأسباب، التي حدت بهم أن ينزحوا من الشاطئ الأوربي الى شاطئ العالم الجديد، فأن أغلبهم كانوا من طريدي القـــــانون، من اللصوص والشواذ وأرباب الســــجون.















