
لديّ بخزنة الكتب نحو مائتي كتاب أدبي صرف مذيّلة ومبصومة بتواقيع وجمل حميمة من مؤلفيها الذين جلّهم أصدقاء كنت مالحتهم ورننت كأسي بكؤوسهم على مدى أزيد من ثلاثين سنة بادت وحالت وذهبت ولن تعود بطعومها الطيبة الأولى .
فكرت غير مرة ومرة أن أصنع كتاباً خاصاً بتلك الإهداءات الرائعة وقصصها وحكاياتها، لكنني لم أفعل ذلك حتى الآن، حيث تكاد التنبلة والقلق وسوء الحظ تتقاسم أيامي القائمة، ليكون التأجيل وركن الفكرة على درج المؤجلات ، هو بعض حل قد يطول وربما يتأبد .
في السنة الميلادية الجرداء الجدباء ألف وتسعمئة وثلاثة وتسعون، كنت أهديت الصديق الجميل عبد الستار ناصر كتابي القصصي الأول الذي حمل غلافه الصغير عنوان نبوءة لافتاً هو «المدفن المائي». وفي جمعة حصار جائعة بسوق المتنبي أخذتني المصادفة اللطيفة إلى بسطة عبد الستار والمترجم أزرق العينين حسين حسن، حتى سقطت عيناي فوق كتابي المعروض للبيع على دكة بائع الكتب.
شعرت بالانزعاج والمهانة وفكرت في شراء حروفي واستعادتها، لكنني فوجئت بستّوري حاملاً الكتاب وهو يبتسم بوجهي ثم ليخبرني أن ما أراه هو نسخة ثانية كان قد حصل عليها من دار الشؤون الثقافية البغدادية، وليس قصصي الممهورة بتوقيعي !!
على وقع سهرة من سهرات عمّان الجميلة، ضمتني ليلة إلى جمعة الحلفي بحانة لطيفة، وكان صاحب الدعوة وضوؤها هو الشاعر عبد الوهاب البياتي، ورابعنا هادي الحسيني.
حدث ذلك في صيف السنة ألف وتسعمئة وثمانية وتسعون، ولم أكن التقيت من قبل جمعة .
على وشك نهاية الليلة بآخر الكؤوس ورناتها المموسقات على سلّم القهر ، استللت نسخة من كتابي القصصي «بوككو وموككو» وكتبت بفاتحته إهداءً مرتبكاً، حيث تاه عليّ اسم الحلفي وكتبت بدله اسم معلم القصة البديع جمعة اللامي !!
كان جمعة الحلفي من الكائنات الطيبة الخجولة، لذلك قرأ إهدائي وابتسم وابتلع الخطأ ، وحين التقيته ثانية في دمشق الياسمين ، قصّ عليّ الواقعة، فطلبت منه أن يأتي بالكتاب كي أصحح الأمر، لكنه ضحك بقوة هذه المرة وقال: فلندعها ونجعلها واحدة طيبة من تلك الذكريات الرائعة ومفارقتها الحلوة .
شخصياً أحب الكتب الممهورة بتوقيع الكاتب وأعتبر ذلك سبباً مضافاً لقراءتها، ومع الإهداء فإنني أتخيل الكاتب وهو يجلس فوق أول صفحات نتاجه، وقد أرى بعينيه عتباً لأنني ركنت قصائده وقصصه على الرف ولم أعد إليها قارئاً، الأمر الذي سيشجعني تالياً على مواصلة وإكمال القراءة حتى لو كان المكتوب ينام على بعض سخفٍ مبين .


















