إهداءات‭ ‬قديمة-علي السوداني

لديّ‭ ‬بخزنة‭ ‬الكتب‭ ‬نحو‭ ‬مائتي‭ ‬كتاب‭ ‬أدبي‭ ‬صرف‭ ‬مذيّلة‭ ‬ومبصومة‭ ‬بتواقيع‭ ‬وجمل‭ ‬حميمة‭ ‬من‭ ‬مؤلفيها‭ ‬الذين‭ ‬جلّهم‭ ‬أصدقاء‭ ‬كنت‭ ‬مالحتهم‭ ‬ورننت‭ ‬كأسي‭ ‬بكؤوسهم‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬أزيد‭ ‬من‭ ‬ثلاثين‭ ‬سنة‭ ‬بادت‭ ‬وحالت‭ ‬وذهبت‭ ‬ولن‭ ‬تعود‭ ‬بطعومها‭ ‬الطيبة‭ ‬الأولى‭ . ‬

فكرت‭ ‬غير‭ ‬مرة‭ ‬ومرة‭ ‬أن‭ ‬أصنع‭ ‬كتاباً‭ ‬خاصاً‭ ‬بتلك‭ ‬الإهداءات‭ ‬الرائعة‭ ‬وقصصها‭ ‬وحكاياتها،‭ ‬لكنني‭ ‬لم‭ ‬أفعل‭ ‬ذلك‭ ‬حتى‭ ‬الآن،‭ ‬حيث‭ ‬تكاد‭ ‬التنبلة‭ ‬والقلق‭ ‬وسوء‭ ‬الحظ‭ ‬تتقاسم‭ ‬أيامي‭ ‬القائمة،‭ ‬ليكون‭ ‬التأجيل‭ ‬وركن‭ ‬الفكرة‭ ‬على‭ ‬درج‭ ‬المؤجلات‭ ‬،‭ ‬هو‭ ‬بعض‭ ‬حل‭ ‬قد‭ ‬يطول‭ ‬وربما‭ ‬يتأبد‭ .‬

في‭ ‬السنة‭ ‬الميلادية‭ ‬الجرداء‭ ‬الجدباء‭ ‬ألف‭ ‬وتسعمئة‭ ‬وثلاثة‭ ‬وتسعون،‭ ‬كنت‭ ‬أهديت‭ ‬الصديق‭ ‬الجميل‭ ‬عبد‭ ‬الستار‭ ‬ناصر‭ ‬كتابي‭ ‬القصصي‭ ‬الأول‭ ‬الذي‭ ‬حمل‭ ‬غلافه‭ ‬الصغير‭ ‬عنوان‭ ‬نبوءة‭ ‬لافتاً‭ ‬هو‭ ‬‮«‬المدفن‭ ‬المائي‮»‬‭. ‬وفي‭ ‬جمعة‭ ‬حصار‭ ‬جائعة‭ ‬بسوق‭ ‬المتنبي‭ ‬أخذتني‭ ‬المصادفة‭ ‬اللطيفة‭ ‬إلى‭ ‬بسطة‭ ‬عبد‭ ‬الستار‭ ‬والمترجم‭ ‬أزرق‭ ‬العينين‭ ‬حسين‭ ‬حسن،‭ ‬حتى‭ ‬سقطت‭ ‬عيناي‭ ‬فوق‭ ‬كتابي‭ ‬المعروض‭ ‬للبيع‭ ‬على‭ ‬دكة‭ ‬بائع‭ ‬الكتب‭. ‬

شعرت‭ ‬بالانزعاج‭ ‬والمهانة‭ ‬وفكرت‭ ‬في‭ ‬شراء‭ ‬حروفي‭ ‬واستعادتها،‭ ‬لكنني‭ ‬فوجئت‭ ‬بستّوري‭ ‬حاملاً‭ ‬الكتاب‭ ‬وهو‭ ‬يبتسم‭ ‬بوجهي‭ ‬ثم‭ ‬ليخبرني‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬أراه‭ ‬هو‭ ‬نسخة‭ ‬ثانية‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬حصل‭ ‬عليها‭ ‬من‭ ‬دار‭ ‬الشؤون‭ ‬الثقافية‭ ‬البغدادية،‭ ‬وليس‭ ‬قصصي‭ ‬الممهورة‭ ‬بتوقيعي‭ !!‬

على‭ ‬وقع‭ ‬سهرة‭ ‬من‭ ‬سهرات‭ ‬عمّان‭ ‬الجميلة،‭ ‬ضمتني‭ ‬ليلة‭ ‬إلى‭ ‬جمعة‭ ‬الحلفي‭ ‬بحانة‭ ‬لطيفة،‭ ‬وكان‭ ‬صاحب‭ ‬الدعوة‭ ‬وضوؤها‭ ‬هو‭ ‬الشاعر‭ ‬عبد‭ ‬الوهاب‭ ‬البياتي،‭ ‬ورابعنا‭ ‬هادي‭ ‬الحسيني‭. ‬

حدث‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬صيف‭ ‬السنة‭ ‬ألف‭ ‬وتسعمئة‭ ‬وثمانية‭ ‬وتسعون،‭ ‬ولم‭ ‬أكن‭ ‬التقيت‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬جمعة‭ .‬

على‭ ‬وشك‭ ‬نهاية‭ ‬الليلة‭ ‬بآخر‭ ‬الكؤوس‭ ‬ورناتها‭ ‬المموسقات‭ ‬على‭ ‬سلّم‭ ‬القهر‭ ‬،‭ ‬استللت‭ ‬نسخة‭ ‬من‭ ‬كتابي‭ ‬القصصي‭ ‬‮«‬بوككو‭ ‬وموككو‮»‬‭ ‬وكتبت‭ ‬بفاتحته‭ ‬إهداءً‭ ‬مرتبكاً،‭ ‬حيث‭ ‬تاه‭ ‬عليّ‭ ‬اسم‭ ‬الحلفي‭ ‬وكتبت‭ ‬بدله‭ ‬اسم‭ ‬معلم‭ ‬القصة‭ ‬البديع‭ ‬جمعة‭ ‬اللامي‭ !!‬

كان‭ ‬جمعة‭ ‬الحلفي‭ ‬من‭ ‬الكائنات‭ ‬الطيبة‭ ‬الخجولة،‭ ‬لذلك‭ ‬قرأ‭ ‬إهدائي‭ ‬وابتسم‭ ‬وابتلع‭ ‬الخطأ‭ ‬،‭ ‬وحين‭ ‬التقيته‭ ‬ثانية‭ ‬في‭ ‬دمشق‭ ‬الياسمين‭ ‬،‭ ‬قصّ‭ ‬عليّ‭ ‬الواقعة،‭ ‬فطلبت‭ ‬منه‭ ‬أن‭ ‬يأتي‭ ‬بالكتاب‭ ‬كي‭ ‬أصحح‭ ‬الأمر،‭ ‬لكنه‭ ‬ضحك‭ ‬بقوة‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬وقال‭: ‬فلندعها‭ ‬ونجعلها‭ ‬واحدة‭ ‬طيبة‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬الذكريات‭ ‬الرائعة‭ ‬ومفارقتها‭ ‬الحلوة‭ .‬

شخصياً‭ ‬أحب‭ ‬الكتب‭ ‬الممهورة‭ ‬بتوقيع‭ ‬الكاتب‭ ‬وأعتبر‭ ‬ذلك‭ ‬سبباً‭ ‬مضافاً‭ ‬لقراءتها،‭ ‬ومع‭ ‬الإهداء‭ ‬فإنني‭ ‬أتخيل‭ ‬الكاتب‭ ‬وهو‭ ‬يجلس‭ ‬فوق‭ ‬أول‭ ‬صفحات‭ ‬نتاجه،‭ ‬وقد‭ ‬أرى‭ ‬بعينيه‭ ‬عتباً‭ ‬لأنني‭ ‬ركنت‭ ‬قصائده‭ ‬وقصصه‭ ‬على‭ ‬الرف‭ ‬ولم‭ ‬أعد‭ ‬إليها‭ ‬قارئاً،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬سيشجعني‭ ‬تالياً‭ ‬على‭ ‬مواصلة‭ ‬وإكمال‭ ‬القراءة‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬المكتوب‭ ‬ينام‭ ‬على‭ ‬بعض‭ ‬سخفٍ‭ ‬مبين‭ .‬