إن كان له موجـد ؟
هذا السؤال الإستفزازي المتداول كثيراً في أروقة مواقع التواصل الإجتماعي، حتى علق بجدران الذاكرة ورمى بشبابنا في حلبة العبثية وحرج الشك كما يظنون، ولكن ليست هنالك أدنى عبثية أو حرج في مضمون السؤال، بل (قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة إن الله على كل شيء قدير)
راودتني أيضاً مأثورة عميقة بمدلولها تُنسب لألبرت أنيشتاين تقول: (الدين بلا علم أعمى والعلم بلا دين أعرج)
ربما لا أكون مبالغاً إذا ما قلت أن هذا السؤال يتحرك في ثلاثة مجالات هي العلم والدين والفلسفة، هنا من المناسب جداً أن يكون للعقل المجرّد مسارات يتحرك بها في هذه المجالات الثلاثة؛ لخلق قناعة وشيء من الطمأنينة تُلائمان عقولنا القاصرة للإجابة على هذا التساؤل الذي ينغز بالوجدان.
إن العلم التجريبي البحت لايمكنه الإجابة على هذا التساؤل بطريقة (1 + 1 = 2)، وسوف لن يجيب على هذا التساؤل إلى أبد الآبدين؛ ذلك لأن عمق العلم مقداره 13.7 مليار سنة وهذه هي المسافة الزمنية للعلم بدأت مع ولادة الإنفجار الأعظم بناءً على قياس الصدى الكوني لذلك الإنفجار. هذا يعني أن العلم مقيد بحدود الزمان والمكان وغير قادر على أن يزج بنفسه إلى ماقبل ذلك.وبطبيعة الحال فإن الوجود يمتد إلى ماقبل نظرية الإنفجار الكوني الأعظم.
ثمة منطق علمي يميل إليه العقل؛ لأنه يبين لنا أن سر الوجود يكمن في المكون المعرفي المطلق الأوحد، وهذا ما ذهب إليه د. عمرو شريف ـ طبيب جرّاح وباحث في مجال العلاقة بين العلم والفلسفة والأديان ـ في كتابه (رحلة عقل)، حيث يبين أن كل موجود يتكون من ثلاثة مكونات هي: المادة، الطاقة والمكون المعرفي في إشارة إلى أن هنالك معرفة مطلقة واحدة هي التي رسمت الخارطة الجينية للإنسان بأدق تفاصيلها، كما رسمت الخارطة الكونية للمجرات بأدق مقاديرها. ويضرب لنا مثلاً فيقول: لايكفي توفير المواد الأولية والجهد (الطاقة) لبناء بيت مالم تتوفر المعرفة.
ويذكر د. عمرو شريف في كتابه هذا ماتوصل إليه العالم البايلوجي دين كانيون ـ استاذ بجامعة سان فرانسيسكو ـ الذي قال: لم يعُد أحد من البايلوجيين المحترمين يعتقدُ أن الطاقة والمادة يمكن أن تعطيا حياة، بل مصدر المعلومات. ما مصدر المعلومات؟
ويستطرد كانيون قائلاً: لقد أصبحنا الآن في مواجهة أعظم الدلائل في الوجود على وجود الخالق.
وكأن كانيون بتصريحه هذا إقتباس من قوله تعالى (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون).
وإذا ما طرقنا أبواب الفلسفة فإنها ستزج بمفهوم أزلية الوجود والأزل معناه أنه (لابداية محددة ولانهاية محددة)، وهذا سيدفعنا في دوامة جديدة مقدارها أسم الإستفهام (مــــن) وسنردد (من الذي أوجد الذي أوجد الله) الى مالانهاية أيضاً.
ولكن العقل الفلسفي الموضوعي يرى أن هنالك ثمة خلطٍ بين التصور والتعقّل في لب هذا التساؤل، فالعقل يستجيب لفكرة وجود خالق له قدرة مطلقة نستدل عليه من مظاهر خلقه في السماء والأرض.
ولكننا لانتصور ماهية هذا الإله كوننا نستمد صورتنا الذهنية من محيط حياتنا الضئيلة في هذا الكون الفسيح… يذكر د. محمد العوضي ــ داعية ومفكر إسلامي كويتي ــ مثالاً بسيطاً يوضح فيه أن خطأ التصور لايلغي صحة التعقّل فيقول:
لو أن باب دارك قُرعتْ فأن عقلك يستجيب لفكرة أن على الباب طارقاً، ولكنك لا تتصور هيئة ذلك الطارق هل هو رجل أم إمرأة، كبير أم صغير، صحيح أم عليل… إلخ من التساؤلات المتناقضة.
أما الأديان فإنها تعتقد بوجود الله المطلق وهو موجد كل شيء ولا موجد له، لأنه خارج نطاق الزمان والمكان وتُنزهه من الرأي القائل (ما من مخلوق إلا وله خالق) وتعتبر أن الأسباب الطبيعية كلها تنتهي إلى السبب الأول وهو الله، وأن هذا التساؤل بمنظور العقل الديني ناشيء من الخلط بين صفات الخالق والمخلوق.
ويسوق لنا المرحوم د. أحمد الوائلي مثالاً في إحدى محاضراته فيقول:
لو أنك سألتَ أحدهم من أين جاءت هذه السجادة؟ سيجيبك من ذلك الدُكان، ولو سألت صاحب الدكان من أين جاءت هذه السجادة؟ سيجيبك أنها جاءت من ذلك المصنع، ولو سألتَ صاحب المصنع من أين جاءت هذه السجادة سيقول لك نسجتها الماكنة، ولو سألته من إخترع تلك الماكنة؟ سيقول لك المهندس.
هنا يقف السؤال؛ لأن المهندس هو الذي تفرّد بفكرة الإختراع ولم يسبقه إليها أحد، فلو كان المهندس أخذ فكرة الإختراع من غيره لأُتيح لسؤالك الإستمرارية، ولو أنك بالغت في السؤال عن من أوجد المهندس فإنك ستنتقل بالخطأ من السؤال عن صفات المصنوع (السجادة) إلى السؤال عن صفات الصانع (المهندس) وتخلط بينهما، فالمسألة هنا تنتهي، والخلاصة أن الله ذاتٌ مانحة غيرُ آخذة وفي ذلك مصداق لقوله تعالى (وإلى ربك المنتهى).
تنويه.. كل ما ورد هنا ناشيء عن قناعة شخصية غير مُلزمة للآخرين.
أحمد شاكر حسن الخطاط- النجف

















