إنه مجرد موت

إنه مجرد موت

ثم عاد يتسلق شجرة النبق  يبحث عن أطيب ما في حبات تلك الشجرة  ودون أن تعني له أزمنة الاقتتال وحرب التسعة أيام التي أكلت ستة رجال بقضمة خلاف قيل عنه بسيط  وفي الواقع إن لكل حرب نشبت وأخذت من الأرواح قليها وكثيرها لها سببها البسيط في ذهن من ابتعد عن أوارها  وهائل لدى من افتعلها  وكأنه لا مناص منها مهما كان سببها من التفاهة . مهما كان سببها من التفاهة أن يُمنع ولد صغير من قطاف حبات نبق صغيرة  أو يعود مدمي الوجه لأنه قفز عبر السياج متجها نحو حديقة منزل الجيران  بعدما القَى القبض عليه صاحب الدار  ثم أرسله لأهله مليئا بما امتلكت ضربات الرجل من قوة  وان لا مبرر كان للطفل من ولوج الدار لولا قلة أدبه وتربيته  فاستشاط غضب أبيه وهو يرى مشهدين  مشهد نهري الدماء السائلة من انف ولده  ومشهد الزوجة التي أرعبتها حالة ولدها وكأنه كان في معركة غير متكافئة .

كان الأمر قد طوى النسيان عليه لدى من ضرب الصبي بعدما برهن لنفسه بأن رسالته قد وصلت  وان مثل هكذا أمور يجب معالجتها من قبل الجميع  إذا لم يكن للأهل من دور في تربية أبنائهم  والجلبة التي تحدث ألان في الشارع لم يكن يتصورها تخصه لولا طرقات الباب المجنونة التي أفزعته ودفعت بجسده نحوها  رأى حشد الناس يلتف حوله  وقول ملامة موجه نحوه  ثم باغتته ضربه أفقدته على إثرها وعيه ودمه ثم حياته .

فأعاد بموته لحظة الوعي عما فعله والد الصبي به  ولات لحظة ندم أو عودة زمن للوراء فلا يكون فيها احد ميت . هرب مع ابنه المدمي نحو مجهول ما سيفعل  تلاحقه طلقات نار تصرخ بثأر من قُتل  فودع آخر نهار في حياته دون أن يذهب بولده لمشفى يداوي جراحه  ودون أن يحمل معه حلما يرى فيه سكينة تعم شارعا ملأته العشائر رجالا وبنادق  وأهازيج ثارات وانتقام  حلم لا يكون فيه قتل أخيه  وابن عمه  وجاره وأخيه وابن أخته . انه مجرد موت  كنت أدون فيه أسماء ستة قتلى  وأشاهد ترحيلهم حيث اللاعودة  كانت قضيتهم حبات نبق عاد بعدما رحلوا نفس الولد يقطف من شجرتها و دون أن يوقفه احد…

حيدر علي الجبوري – بابل