إنهم يقتلون الأبرياء أليس كذلك؟ (1)
الحروب والمآسي التي تنفذ الى بلدٍ من البلدان تصنع تاريخاً مشبعاً بكل صورة من صور التاريخ الحزين على مختلف المستويات البشرية تخترق عالم الرجال والنساء وألأطفال وكل من ينتمي الى جهةٍ من الجهات المتصارعة. الطفولة من فئات البشر التي تظل تلك الصور المأساوية عالقة في ذاكرتها مهما تقدم الزمن وتبقى أسئلة تدور في مخيلتهم عن السبب الحقيقي لحدوث تلك الماساة. هذا ماحدث لصديقتي التي عانت ولاتزال تعاني من ذكرى أليمة عصفت بكل ذرة من ذرات عائلتها ورسمت صورة مرعبة لغياب العدالة تجاه جنس بشري لم يرتكب أي ذنب سوى أنه ينتمي الى هذا البلد المحمل برائحة الموت في كل زاوية من زواياه. عندما ظهرت سنة 2006 بكل معاناتها ومآسيها نتيجة ألأحتلال المدمر لبلدي الجميل بكل ماتعنيه هذه الكلمة من معنى وإشتد أزيز الرصاص على مدينة الرمادي حيث تسكن صديقتي- رملة- الغريب أنني بدأتُ أطلق عليها هذا ألأسم لأنها تذكرني بالشاعر الكبير سليمان العيسى حيث لديهِ بنت إسمها – رملة-. لاأريد هنا أن اذكر إسمها الحقيقي لأعتبارات في قلب الشاعر كما يقولون. حسناً سأطلق عليها هذا ألأسم في حكايتي هذه عن البؤس ودمار الروح لخطأ إرتكبهُ جندي أمريكي تجاه رجل هو والدها. سافرت رملة مع عائلتها البسيطة الى السليمانية في عام 2006 هرباً من قساوة الحياة في مدينة الرمادي. كانت رملة سعيدة مع عائلتها لأنها الطفلة المدللة الجميلة جدا. كان عمرها في تلك السنة تسع سنوات. بعد أن مضت فترة ستة أشهر هناك حيث وجد والدها عملاً في تلك المدينة الجميلة.
في الصباح الباكر كانت – رملة- ترتدي أجمل ملابسها وتقفز هنا وهناك فرحة جداً حيث قرر والدها السفر الى مدينة الرمادي لزيارة عائلة والدها. كانت تنتظر على أحرٍ من الجمر للوصول الى مدينة مسقط رأسها حيث تركت هناك صديقات وزميلات دراسة بعمرها. كان والدها – االذي تعشقه لدرجة الجنون- يجلس خلف مقود السيارة المتواضعة التي كان يمتلكها منذ سنوات. جلس خالها – شقيق والدتها- في المقعد ألأمامي في حين جلست هي مع والدتها وشقيقاتها الصغار في المقعد الخلفي. كانت تنظر من خلال نافذة السيارة الى أبعد نقطة تصل إليها نظراتها وتتأمل تلك المساحات الخضراء الممتدة على جانبي الطريق. دخلت ذهنها عدة أسئلة بين الحين وألآخر عن سبب تركهم مدينة الرمادي والنزوح الى السليمانية قبل ستة اشهر. لاتجد تفسيراً لتساؤلاتها في ذلك العمر الصغير. كل ماكنت تعرفة أن مدينة الرمادي في سنة 2006 فيها إطلاقات نارية كثيرة ومركبات أمريكية تجوب الشوارع والحارات والطرق الملتوية في كل جزء من أجزاء الحي الذي كانت تسكنهُ مع عائلتها. سارت الرحلة في ذلك اليوم هادئة تتخللها ضحكات وأحاديث لاتنقطع بين والدها وخالها وأمها. بين فترة وأخرى تشعر بالنعاس وتغوص في رحلة نومٍ جميلة تتخللها أحلام لاتتعدى أشياء بسيطة عن الدراسة في الثالث ألأبتدائي وعن ساعات الفراغ بين الدروس وكيف كانت تلعب مع صديقاتها في باحة المدرسة.
وهي في نومها سمعت صرخة مدوية أطلقها خالها ووالدتها قبل أن يصلوا مدينة الرمادي بنصف ساعة. توقفت السيارة وقفز خالها الى خارجها وهو يصرخ بأعلى صوتة” قُتل خليل ..مات خليل ” . كانت والدتها تصرخ بأعلى صوتها وكأن مساً من الجنون قد تلبسها. بقية ألأطفال كانوا يصرخون لصراخ والدتهم ولايعرفون السبب. الصدمة كانت شديدة بالنسبة الى رملة لأنها لم تستوعب الموقف بعد بسب صراخ الجميع. وقت الغروب جعل الطريق خاويا من أي عجلة تسير على ذلك الطريق الطويل. كانت الطلقات النارية تاتي من جميع ألأتجاهات. حمل خالها الطفلة الصغيرة ذات الستة أشهر الى ألأعلى ليخبر الذين يطلقون الرصاص أنهم عائلة مسالمة. توقفت ألأطلاقات. على حين غرة ظهر جنود أمريكان من مكان مجهول. راح خال رملة يصرخ ” قتلتم أخي بلا سبب..قتلتم رجلاً بريئاً بلا سبب” . كان هناك مترجم مع الجنود ألأمريكان وشرح للرجل أن ألأصابة كانت غير مقصودة وطلب منه أن يقود االسيارة بنفسه ويسلك طريقاً آخر لخطورة الوضع. كان والد رملة ينزف وقد فارق الحياة بسرعة. والدتها تنظر اليه وتبكي بأنين وحشرجات تقطع القلوب. رملة ترتعش وتبكي بصمت.
نور أحمد – الأنبار



















