
كلام أبيض
إنتهاك السيادة الأبوية – جليل وادي
وضعتنا الشبكة العنكبوتية الانترنيت في حيرة من أمرنا نحن الاباء الذين تلقينا تربيتنا من سلطة أبوية صارمة سواء على مستوى الاسرة او الانظمة السياسية التي ألقتنا في احضانها الحانية مرة والقاسية مرات اخر، او على مستوى مرجعياتنا الفكرية والدينية التي صنفتنا اما خارجين عن طريق الله او متآمرين على الرسالة الخالدة، جميعهم ومن دون استثناء وجدوا في أنفسهم أوصياء على ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا، بينما نحن بنظرهم قاصرون لانبصر أبعد من أقدامنا، وكنا في صراع مستديم مع تزمتها، نتمرد احيانا في العلانية فندفع أثمانا باهظة، واخرى في السر فنحتقر أنفسنا لعدم القدرة على المواجهة، والمعيار في الحالين الافق الجديد الذي نتطلع له، والذي حرمونا من بريقه الأخاذ . كان الافق الجديد مرهون بالحرية التي تتقدم فيها الاجتماعية على السياسية، لم يفهموا ومازالوا ان الحرية الاجتماعية هي الهدف، بينما السياسية هي الوسيلة، وعندما تختزل معاني الحرية العميقة بالسياسة فقط، فانتظروا المزيد من الفوضى، فالعالم المتحضر لم يمتلك ناصية الاستقرار والابداع الا بعد ان حلق نشوانا بحريته الاجتماعية قبل السياسية .
وها هي فضاءات ليست بالضئيلة من الحرية يطلقها الانترنيت، في عالم افتراضي يتفاعل فيه الجميع، يتبادلون الافكار ويكّونون الجماعات،ويشبعون حاجات متنامية، ويضعون حقهم في اسماع صوتهم للاخر والاستماع اليه موضع التطبيق، ويدخلون لمختلف العوالم بما فيها تلك التي حرموا منها في الواقع، او تلك التي عدت من المحرمات،انهارت فيه جميع السلطات والمعايير، الرسائل فيه موجهة للجميع اطفالا كانوا ام كبارا،ذكورا ام اناثا، فقراء ام اغنياء، متخلفين ام متنورين، لا حدود فاصلة، كم هائل من الرسائل، نتنفسها كالهواء، ممتلئا بالغبار حينا، وعليلا حينا آخر، لم يعد معه التلفزيون مغريا، فتبدّل السلوك الاتصالي، وتغيرت مواقع الوظائف، فغدت التسلية اولا والثقافة آخرا، انتهكت سيادة الاباء والدول والمرجعيات، وصار الحديث عن المتابعة الوالدية شيئا من الماضي.
هنا وقف الاباء حيارى، يجهلون استخدامات الأبناء لهذا العالم، والى اين يذهبون، وفي أي الازقة يتجولون، ومن أي ماء يشربون، يتعذر عليهم معرفة ذلك تماما الا في النزر اليسير، وتبدو العوالم مجهولة تماما،لان أغلب الاباء لايعرفون شواغل الأبناء، البيئة والثقافة والاهتمامات مختلفة، هذه حقائق لا يجدر نكرانها.
كما أصبح من العسير على الآباء الغاء خدمة الانترنيت وحرمان الأبناء من التهيؤ للمستقبل، والانتفاع مما في ثورة المعلومات، واكتساب مهارة استخدام هذه الأدوات، واذا كان الاباء كما كان نظرائهم في عقود خلت،ولهم في الحاضر بقية، ولجأوا لسلطة القمع، فمنافذ الوصول عديدة من الحاسوب الى الموبايل، وبمعونة الاخوان من الجيران اذا استعصت السبل.
البعض أدرك هذه الحقيقة طوعا ام قسرا، ومنهم من استسلم وترك الحبل على الغارب، ومنهم من سيطر عليه الانفعال فكسر (النانو والراوتر) بحضور الابناء، فصمت الجميع، لكن في دواخل كل منهم ضحكة مدوية يخشى اطلاقها، وكأنها تقول يا أيها الاباء!
منهم من تبصّر بالأمر مليا، سالكا سبل العقلانية، وهي جوهر الحكمة ومنطقها، فصار يفكر بما أسموه التربية الاعلامية وآخرون التربية الرقمية مع اني أميل الى الاولى أكثر من الثانية، أي كيف نعلم الأبناء التعامل الصحيح مع ما تبثه وسائل الاعلام والتواصل الاجتماعي من مضامين، كيف يوظفون هذه الكم الهائل من المعلومات والافكار للارتقاء بحياتهم وتطوير قدراتهم العلمية والثقافية،فالتربية الاعلامية أصبحت حاجة في عالم يتغير كل يوم بفعل وسائل تتجدد حتى لانعرف الى اين ستنتهي، أظن ان الحل يكمن في جعل التربية الاعلامية منهجا دراسيا يتلقاه التلاميذ والطلبة بمختلف مراحلهم الدراسية، وكليات الاعلام واقسامها مسؤولة عن تهيئة الملاكات، فماذا تقول وزارة التربية؟
ديالى


















