إمتداد ناضج لعمق الرؤية الكامنة – اضواء – ايمان عبد الحسين

الغياب والحضور في مجموعة رضا المحمداوي

إمتداد ناضج لعمق الرؤية الكامنة – اضواء – ايمان عبد الحسين

من البديهي إن يكون الحضور مناقض للغياب، فالاول معدوم والثاني موجود، إذ أنه لا يمكن للشيء أن يحضر ويغيب في الوقت ذاته، فكلّ ما يظهر الأول يقتضى اختفاء الثاني وتلاشيه، أي انه تباعد ذي دلالة بين جانبين يتفاعلان ويتبادلان التأثير، فالغياب يقود إلى الافتراق والانفصال، والحضور يقود الى التمظهر والوجود، اذ هما ينتميان إلى مكانين مختلفين الاول بوجوده الان في التو، اما الأخر فهو غائب من خلال اقصاءوه في البعد، عبر ازاحته من الوجود .

 ان ثيمة مفهوم (الغياب والحضور) تمتدّ ناسجة عمق الرؤية الكامنة في المجموعة الشعرية(ما مضى في وقت لاحق) للشاعر رضا المحمداوي الصادرة بالقطع المتوسط عن دار الشؤون الثقافية العامة على مدار القصائد، فهي تلازمها في مسيرتها من البدء حتى المنتهى ، ويؤسس من خلالها الشاعر عالمه الداخلي الخاص به، فثمة معاني عديدة يشتغل عليها الشاعر من خلال هذه الثيمة الذي يشكل منها موضوعا اساسيا ونظام من الإشارات الصادرة التي تكمن قيمتها في الفكرة المعبرة عنها في كل قصيدة والتي بدخولها الى القصيدة تصبح رمزاً فاننا نجد في قصيدة (فقدان شخص) يكتمل المعنى بين ثنائية الحضور / الغياب ، الغياب الذي يبدو ماثلا منذ البداية مكوناً بؤرة سيميولوجية تلعب فيها ظلال دلالاته دوراً يفوق الدور الذي تلعبه دلالات الحضور ليكون في القصيدة وغيرها من القصائد الحالة الشعرية المركزية داخل الفضاء الشعري للمجموعة ككل التي تؤكد حالة نفي للوجود واستحضار للغياب الى حدّ التماهي بين الواقع والخيال (ترى اين اختفى اتراه مات مقتولا ام انتحر ؟) ويستمر حتى نهاية القصيدة (غاب عنا /فانتظرناه طويلا / وحينما جاء في لجة الظلام /ترك سره عند نجمة/في الافق البعيد/وارتحل عنا غفلة/يغمره الضجر والاكتئاب/مثل قمر غاب) وفي الهامش التي يحاول فيه الشاعر الاكيد على الغياب ايضا (دخل الموما اليه منطقة الغياب في اليوم الاول من الشهر الاول من عام 1959في الاعظمية في منطقة نجيب باشا،لم يعد من الغياب حتى الان) وبهذا نرى مما سبق ان شعرية اللغة ومعناه يكمن في القصيدة بكونها تفرغ الحضور من محتواه وتشحنه بدلالات الغياب التي يلجا فيها الشاعر الى آليات متنوعة خوفا على الذات الحقيقية من الضياع جراء الحالةِ التبادلية بين الخروجٍ من الوجود ، والدخولٍ في اللاموجود  وخوفا من انشطار الذات بين عالمين من الأضداد ما بين الاتصال والانفصال ، عالمين متقابلين وظيفياً في بنية واحدة ، ومختزلين في جانبين، عالم الحضور الذي يحاول فيه الشاعر على خلخة الغياب، من خلال غلبة البؤر الدلالية التي نتعرف عليها من خلال أقصى الحضور المرئي أي حضور الذات بكل دلالاتها وبكل ما تسمو به من وجود، و يبدو فيها الفاعل الاساسي المتمثل بالذات الشاعرة يشتغل في كل ضغطه على محور الأنوية، التي نقترب فيها من حياة الشاعر الى حدّ التماهي وتزداد تفاعلنا بمقدار ما نقترب من محاكاة الذات الشعرية وهي تتحدث عن وجودها الحقيقي كانها تواجه مراياه الداخلية،ولعلّ أبرز ما استدعاها الشاعر وو ّظفها من الانوية متمثلا بالصورة بكامل أبعادها لتدل على الشخصية الحقيقية ليدعم من خلالها تجربته ويعمق وجوده الحقيقي، متخذا منها انظمة من العلامات تشف مباشرة عن مدلولاتها وكأنّ من خلالها يحاول الشاعر أن يرى قارئه من ان نصه الشعري ما هو الا انعكاس لحياته الشخصية، و أنه جزء من سيرته الذاتية، اضافة ان ما عمّق هذا الدور هو وجود الاسم ، وكأن بوضع الاشياء بأسمائها الحقيقية دور فعّال في إقناع المتلقّي بصدق ما يطرحه ، في مواجهة الغياب الذي نستقصي من خلال ما يتفرّع من أشكالٍ تعبيرية، وبؤر دلالية، مثل التلاشي والذوبان الفقدان ، التي تحوله من وجود متمظهر إلى معنى اللاموجود ، ليتحول هذا الحضور الى الضياع، فحينما دخل المؤما اليه قائمة الغياب لم يعد من الغياب حتى ألان، وهكذا يصير الفضاء لا محدود تكون بدايته الحضور ونهايته الغياب ومن خلال هذه الثنائيات يكتسب الشعر كل قوته وشاعريته فيصبح حضوره هوغيابه.

وان ثيمة الغياب في قصيدة (ما مضى في وقت لاحق) لا سيما في العنوان الذي يتسم بانزياحيته، وبتجاوزه المعنى ليصل إلى الترميز، وهو يراهن الشاعر به على قدرة القارئ على تأويل ما يكتنفه من غموض، فان اختيار الشاعر للعنوان هنا لا يكون اعتباطياً، بل قام باخضاعه للمنطق الدلالي والسيميائي، ليصبح موازياً لبنية النص الشعري وما تحمله من طاقة ايحائية، وصورة الغلاف التي تحمل ثنائية الحضور من خلال صورة الشاعر والغياب الذي يوحي به شفافية المنظر خلفه ،وان القاريء يكتشف الذات الشاعرة من خلال متن القصيدة التي تستغرق فيها في الانتقال من حالة الكابة والانتظار ودوامة التكرار بين ايام الأسبوع ناسجة خيوطها بدلالات محدِّدة لتغلق نصها في النهاية على واقع وزمن محدد ،الزمن الواقع في ظل الحرب والموت، الذي يبدو الدخول  فيه الى الغياب مألوف من حيث علاقته التعبيرية القابلة للاستثمار صورة الحرب معتمدا على ثيمة حضور الحرب وثيمة غياب البطل المتمثل بالجندي، وفي اعتقادي إن يد الضياع التي امتدت لتشمل الوطن قد امتدت لتشمل الذات الشاعرة لقد كان للحرب أبلغ الأثر في قصائد الشاعر (تراه متئدا / يعجبه هذ التوسط  في المسافة /بين ما مضى / والذي سيجيء/حتى اذا دعاه احدهم للتعجل في امره /صاح به/مهلا ان الوقت لن يطير ) (لا نافذة/لخندق الموت/ولا باب/ولذا نرى الجنود الذين فيه/دائما).

 اضافة الى ان الشاعر على مدى القصائد يحاول استثمار كل ما يستطيعه ليجعل نصه الشعري مغلق على جملة من العلاقات و القرائن و الأدوات التي يوظيفها لتاكيد الدلالة ذاتها وكان الشاعر حاول من خلالها اتساع نطاق التعبير التي يختزن فيه فكرة النص الشعري وهذا ما نستطيع رؤيته من خلال استثماره للتشكيل البصري في القصيدة ذاتها وهو ايحاول فيها استثمار الحركة الدالة على الهبوط بتشكيله البصري،وكان الايام من ثقلها توحي بالهبوط لا بالارتفاع

السبت

  الاحد

     الاثنين

        الثلاثاء

           الاربعاء

                الخميس

                    الجمعة

                            السبت

 وان الاحساس المتدفق الذي يتناسب مع الموقف النفسي والعاطفي والفكري للتجربة الشعريّة  تحددها ايضا قصيدة (اصابع من عسل الوقت) اذ تبدا القصيدة بالتشكيل البصري المعتمد على التشكيل الهرمي الذي ابقى فيه الشاعر لفظة (الوقت) المتضمنة في داخلها إشارات إلى حمولة معرفية واضحة للمعطى الزماني وهذا الافراد لمفردة الوقت يعزز من القيمة الدلالية لصفة الرحيل الذي يلي بعد هذا المقطع واعطى الوقت جوا من الحزن المضاف وليعبّر عن تقوية الدلالة الوقت وتقوية الايقاع فيه، ليصبح لهذا التكرار قيمة من الناحيتين الدلالية والايقاعية ، وان الشاعر بخروجه على المعايير المألوفة، في استخدامه الشكل السَّطري الذي تكون فيه المسافة السطرية غير متكافئة الابتداء والانتهاء يقويَ الطاقة الدلالية لللضياع الذي هو جزءا من الغياب نراه ياتي مهيمنا في القصيدة

الوقت……….

   الوقت………….

       الوقت ……….

وحده ولا شيء سواه

 ثم في مقطع اخر

 (الوقت يرتحل /الوقت يضيع /الوقت خ/ي/د/م/ال/ط وخ/ق ت/ل ي م /و د ا/الوقت خيط دم يسيل من جثة العمر القديم/ الوقت يمضي

 وان الشاعر في التشكيل الشعري المتدرج نجح في ترسيم خُطاطةِ الضَّياع من جهة، فانه في مقطع اخر استطاع ان يوحي به بالاستمرارية ففي السطور التالية نرى محاولة من الشاعر لفت انتباه القارىء، الى جريان الزمن:

      على شجرة الزمان

                      دقيقة

                           اثر دقيقة

 وان هذا الاستغراق في التشكيل، لا يعني غرضا تزيينيا، بل فعالية تمتلك زخمها وكثافتها بما في داخلها أي ما يجعلها لصيقة بذات الصورة التي جاءت عليها، وليس على صورة أخرى غيرها،  وما دامت هذه القراءة محصورة بهذه الثيمة واننا اقتصرنا الكلام على ما لـه صلة بها أو الاحالة عليها، فنرى في قصائد اخرى ان الذات الشاعرة تستمر في توجيه ذات المسار الذي يعطي القصائد دلالتها الاستبدالية ما بين الحضور والغياب والذي تبرز من خلالهما نوعا من التناغم بين التجلي والخفاء على مستويين، مستوى البطء ومستوى الحركةالمتثاقلة ، فالأول يرسمه الغياب والانتظار والثاني يرسمه الحضور،وان مسحة الحزن والرؤيا الكلية والتأمل والحدس بأسئلة الوجود التي تغلّف قصائد المجموعة في اعتقادي تطلعنا كلها على الخوف من مصير يكون فيه الفقدان والغياب مهيمنا، والتي يبدو فيها ان مصير الشاعر هو الأساس وانه بتعريجه على مصير الآخرين ماهم الا جزءا من مصيره ،في قصيدة (مصير) تعدّدت الإشارات ذاتها التي نرى فيها لعبة التستّر والانكشاف في بداية القصيدة تشي بالغياب من خلال النفق ثم بعدها في نهاية القصيدة الضياع ،وهذا النمط التكراري المتولد بصيغ مختلفة في المقاطع اللاحقة تضعنا أمام ثنائيات من الأضداد المتناظرة ، أو الدوالّ المتعارضة التي تجعلنا أمام حالةِ خروجٍ ، ودخولٍ بصورةٍ تبادلية ولعل الشاعر باستحضاره هذه المعاني يريد أن يعبّر عن ان الدخول الى النفق هو جزء من الغياب وان بخروجهم من النفق والضياع يمثل ايضا جزءا من الفقدان  (خمسة صبيان سمر كانوا يدخلون نفقا قديما ) يخرجون في صحب حيارى / ليضيعوا وسط الزحام / في ساعات الظهيرة).

وفي قصيدة ، (ثلاث اغنيات لسيدة الريح)المتخمة بالاسئلة يخلق الشاعر من خلالها في ذهن المتلقي مسارا من مسارات ثنائية الحضور والغياب التي يتمحور النص حولها يستعرض الشاعر في الأبيات التالية إشارات تفي بذات الغرض التي نلاحظها من الوحدة الشعرية الأولى الخبريّة التي تبدا بمقوّم “الاقامة”، والوحدة الشعرية الثانية اختتمت بمقوّم “الرحيل”: ففي هذا التشاكل القائم في القصيدة يتاكد اعتماد الشاعر على هذين الوحدتين التي يحاول فيها الشاعر التعبير عن دلالة الرحيل ايضا، (حينما اقامت بيننا/ لم تاتنا غير الكلمات البليدة / ولما رحلت عنا/ فاجأتنا بحضورها القصيدة) .

وان التشاكل الذي يقوم في دلالة المقومات الفعلية على الحضورو الغياب في إطارها العام يتداخل في قصيدة (حلم الاعمى) ما بين حضور الذات وغياب الاخر والذي سعى الى غياب الذات الحاضرة في الوقت ذاته من خلال افعال الكشف- التجاهل – المضي  (قبيل الصباح الاخير / داهمني الغريب /فكشفت له وجهي/لكنه تجاهلني متعمدا / بعدما قرا بياض لحيتي والتجاعيد /ومضي يدقق في جوازت المسافرين).

لغة رمزية

 وتاسيسا لما سبق نرى ان الشاعر بلغة رمزية مكثفة، حاول أن يكون أميناً في تاكيده على موضوعه وان في محاولتنا رصد واختيار المفردات وانتقاءها الإمساك بالمعنى أو الدلالة التي فيها يحاول الشاعر التاكيد على أسبقية ثيمه الغياب التي نرى أنّ هناك أفعالاً اخرى تبدو موزّعة على ذات المحور وهي مفردة الرحيل التي تحيل ايضا على الغياب التي تتكرر على امتداد المجموعة (هياوا اقدامكم للرحيل وارتحلوا / فالريح لا تحمل غير صوتي)ص55(الا ينتهي هذا الرحيل / من اول الصبوات / حتى اقصى الجنون)ص63 (ان الاقامة قناعة ساذجة / والاغاني شارات للرحيل )ص75

 كما إن ثيمة الغياب تقترن عند الشاعر بالضياع ايضا :ليس لي / في هذه الدنيا سواه/ اضيعه / او يؤخذ مني)ص71

 وهكذا ان الشاعرفي إبرازه التباين العلامي ما بين الغياب والحضور يستمر في أمثلة اخرى تمثل نظاماً علامياً اخر يقويَ الطاقة الدلالية من جهة و يمثل خرقاً للألفة الخطية التي ترسخت في خيال المتلقي بنمطية ثابتة من جهة اخرى؛ وان توظيفهـــــا يؤكد المعنى الــــــذي يريد الشاعر ايصاله بطرق متنــــوعة منها ايضا اسلوب التنقيط الذي يمثل جزء اخر من الفقدان والغياب  :قصيدة (ثلاثية الخطيئة)

رغباتنا قبل ان نسرق تفاحنا من الغابة /هي رغبات موتى قبلنا/ثم ماذا……………….؟

…………………..!!

قصيدة(الى الوطن البعيد)/ ومن منتهى الغربة/حتى ابتداء الفصول/…………/………مضيت وحدي

قصيدة دخان/في كوم الرماد/…………../…………./نبض قلبي دخان

قصيدة في الاشياء شيءما:يفرغ الايام……./……..زمن محتواها/يرميها…………./قشرة يابسة .إن الخلاصة التي يمكن الركون إليها من ان مقدرة الشاعر في استخدام انواع من التقنيات الشعرية من اشكال بصرية ومفردات متنوعة تنطلق في مجموعها اتجاه نقطة محددة من اجل الوصول نحو هدف موحد في أجزائه وعناصره هو التاكيد على جانيبي الغياب والحضور.