إشكالية الهوية والإنتماء والمواطنة – نصوص – خضر عواد الخزاعي

رواية السعيد في كابوسه الأقصى

إشكالية الهوية والإنتماء والمواطنة – نصوص – خضر عواد الخزاعي

بعد تجربته الروائية الأولى “الخفافيش تراود الضياء” الصادرة هذا العام يخوض الروائي الدكتور ميثم الحلو غمار تجربته الثانية في روايته الجديدة”السعيد في كابوسه الأقصى” الصادرة عن دار سطور 2015 . والروائي والمفكر والناشط المدني والدكتور ميثم الحلو يحاول أن يؤسس لنفسه حيزاً معرفياً من خلال الأنشطة المتنوعة التي يقوم بها مع مجموعة من الاصدقاء مستثمراً فسحة الحرية التي توفرت بعد 2003 كما في مشروعه الفكري “من يجرؤ على العقلانية” الذي يقيمه صبيحة كل يوم جمعة في ساحة القشلة بحضور ومشاركة نخبة من المثقفين العراقيين وأصحاب الرأي والفكر، وفي حوارات متعددة مع الروائي ميثم الحلو فإن الشاغل الأكبر له هو ما يسميه بـ “أزمة الوعي” والتي هي نتاج طبيعي لأزمة الفكر، التي سيطرت على العقل العربي والعراقي لقرون من السنين، والتي باتت تعاني منها الشخصية العراقية أو المجتمع العراقي بصورة عامة، “بوصفه أداة للانتاج النظري صنعتها ثقافة معينة لها خصوصيتها” كما يصفها المفكر العربي محمد عابد الجابري في سلسلته الفكرية”نقد العقل العربي”.

في روايته الأولى”الخفافيش نتلمس ذلك الهاجس الذي يسيطر على اهتمام الروائي ميثم الحلو من خلال ما يعانيه ابطاله من ازمات نفسية وفكرية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بأزمة عامة يعيشها المجتمع العراقي، أزمة سببتها هذه القطيعة بين ما هو تأريخي وما هو آني، ومحاولة تدجين الواقع أو ترويضه ليكون بمستوى القيم الحياتية الجديدة التي يسعى اليها ابطاله. دكتور جمال أو المهندس واثق أو شقيقته نضال أو عشيقته أريج.في روايته”السعيد في كابوسه الاقصى” اختار ميثم الحلو ” The Dominanl”أو ما يسميها تدوروف “العناصر المهيمنة” أو المكون الجامع للعمل الفني على حد تعبير ياكبسون. وهو تشكل الانواع من نصوص تؤدي فيها نفس السمة الشكلية، نفس الدور الباني والمنظم الذي يؤديه العنصر المهيمن، ففي هذا النص السردي هناك ما يمكن أن نطلق عليه وحدات ارتكاز النص، التي كانت تهيمن على النسيج العام للنص من خلال جملة تساؤلات شفاهية مباشرة عن الوعي/ الفكر/ الانتماء/ الايمان/ الدين/ الوطن/ المواطنة/ التأريخ/ الجغرافية. كانت تتوارد في فكر، وعلى لسان سعيد كاظم العراقي المسلم في جزءالرواية الأول الذي هيمن على الحيز الأكبر من نص الرواية.

والرواية يمكن اعتبارها من النصوص التجريبية، بما اتبعه الكاتب من اسلوب سردي في هذا النص، فهناك ثلاثة سعيدات يجمعهم هذا الانتماء العلائقي المرتبط بالتاريخ امتداداً والجغرافية أرضاً وبيئةً، فهناك سعيد كاظم المسلم، وسعيد خضوري اليهودي، وسعيد جرجيس المسيحي، ما يجمع هؤلاء الثلاثة انهم كانوا جميعاً نتاج لحظة دموية مارقة من تاريخ العراق، لحظة أرّخت لزمن مغاير لكل ماقبلها وطبعته بكل قيمها الجديدة، وهي الفتح الإسلامي للعراق”هنا … وفي غفلة من الزمن جاءت موجات البدو من الجزيرة… يحملون كتابهم بيد والسيف بيد … منذ ذلك الحين والدماء نهر ثالث.ص19″. تلك اللحظة التاريخية لم تبني كينونتها الحضارية على أرض العراق بسهولة ودون الخوض بصراعات جانبية مهمة لم تحسم الى الان، ففي زمن لاحق وفي انفجار ملحمي آخر تتحول مواجهة أخرى، بالنسبة لسعيد كاظم العراقي الى رغبة جمعية ملحة في توكيد الانتماء الظاهري الذي لم يعد يمثل سوى تمظهر خارجي لعقيدة لم يتبقى منها غير رمزية الحكم،”اجتمعت العمامة مع العقال والكوفية في ثورة العشرين لتقول لا … للإنكليز ظاهراً …وللمدنية ظاهراً وباطناً.ذهبت محاولات الملك المستورد هباءً في تزييف هويّة لهذا الوطن المزيّف.ص20″.

“السعيد في كابوسه الاقصى” رواية وطن شاءت أقدراه أن يتشكل بهذه الطريقة التي هيّ مزيج من من الأخطاء التأريخية والتراث المندثر والدين السلطوي والتقاليد الاجتماعية التي رسخت الكثير من المفاهيم المغلوطة في عقلية الشخصية العراقية، والتي تحولت فيما بعد إلى قيود وموجّهات صارمة لتحديد المسارات في حياة الاشخاص والمجتمع، لتنشئهم بالطريقة والاسلوب الذي شيّئته من خلال منظومات استبدادية قمعية كانت تتسابق لتفرض هيمنتها ونفوذها وحضورها، وسعيد بكل مسمياته وانتماءاته الاثنية/ المسلم/اليهودي/المسيحي. لم يستطع الافلات من سطوة تلك التعقيدات التأريخية، التي وجدت لها امتدادات حيوية في الحياة اليومية، ابتداءً من “الهوية الشخصية” والتي يفترض بها أن تكون بطاقة تعريفية للفرد وإذا بها تتحوّل إلى وثيقة تستخدم كأداة لترسيخ الولاء للسلطة،”يمسك العراقيون بأوراقهم الرسمية وكأنها حبل نجاة رمي لهم من قارب انقاذ وسط البحر … لابد أن تعيد التأكد من مستمسكاتك الرسمية … هوية الأحوال المدنية … شهادة الجنسية العراقية … بطاقة السكن … البطاقة التموينية. أنت تخاطر بوجودك … بحريتك … بكرامتك … بإنسانيتك … إن فقدت إحداها.ص116″. هذا الارتباط الوثيقي بورقة مغلفة بالنايلون عليه أن يلغي الشخصية الاعتبارية مقابل ارتباط آخر أشد وطأة مع مؤسسة الحكم أو من يمثلها،”ارتباطك بالهويّة وثيق … رغم أنك لم تفهم يوماً لم يجب عليك أن تثبت لكل العابرين شيئا ما من خلال ورقة مغلفة بنايلون سميك.ص41″.وأزمة “الهوية” بمعناها التأريخي الواسع من بين تلك المشاكل المعقدة التي حاول الكاتب أن يفرد لها الكثير من النص، ويحاول جاهداً من خلال التساؤلات المتعددة التي يطرحها سعيد كاظم العراقي الوصول الى ماهيتها، “لقبك العراقي …من أين حصلت على هذا اللقب على أية حال؟”- “أين هو العراق أصلاً؟” – “حتى هذا الوطن مصاب بالوهم … لايعرف متى بدأ؟” ليصل في ختام تساؤلاته تلك الى نتيجة مخيّبة”لم تفلح كل الاناشيد ولا كل الدماء أن تبلور هوية واحدة … أو أن تكوّن أمة.ص127″.

والى جانب “أزمة الهوية” تتفرع أزمة أخرى أشد منها هيّ “أزمة الحكم” التي عصفت بالواقع العراقي منذ بدايات القرن الماضي والى الان، وهيّ لاتقل شأناً وخطورةً عن كل الأزمات المرافقة لها،”تتوارث الحكومات الطغيان بدقة …عبرت القوات الامريكية الاطلسي الينا … لتجلب لنا الديمقراطية … لكنها جلبت فقط نوعا فاخرا من الاستبداد الجماعي … رحل الرفاق وجاء المعممون … تلاشت الفرق الحزبية وانبثقت مكاتب السادة … الفارق الأكبر كان في السماح بالأنين على نطاق واسع … أما الصفعات فهي هي.ص116″.

بالنسبة لسعيد خضوري اليهودي تبدو المشكلة أكبر وأخطر مع هويته اليهودية وتفرده بهذه الهوية والانتماء، وسط بيئة أصبحت تنظر لليهود بعين الريبة والشك بسبب أحداث فلسطين. فسعيد لا يستطيع أن ينسى ماتعرض له أجداده في اربعينيات القرن الماضي من عمليات سلب وقتل وتهجير على خلفية أحداث حركة مايس،”حكى له جدّه حسقيل عن أحداث حزيران 1941 … بعدما لبس العقداء الاربعة لبوس النازيّة.ص133″.حتى لو لم تكن قضية العداء والاستهداف مشخصنة بالنسبة لسعيد خضوري وأبيه فهما لايستطيعان الخلاص مما تحمله تبعية ذلك الانتماء من عواقب، فهي تبقى بالنسبة لهما مشكلة مؤرقة ومقلقة، وسط أجواء غلبت عليها المسوح الدينية “كان خضوري الأب يسمع إعادة لخطبة الجمعة في التلفزيون … ويختمها الخطيب بالدعاء على اليهود.ص146″.وفي ظل هذه الأجواء المعادية تتحول حياة سعيد خضوري إلى كابوس ثقيل خصوصا بعد ارتباطه بزميلته غادة التي كانت موضع ملاحقة من قبل زميله في الكلية عبدالله – عضو الاتحاد والبعثي المتدين- فحتى الصداقات والزمالات تصبح قابلة للتموضع في خندق الكراهية والفصل العنصري، حينما تمس الجانب الشخصي، وما يعتقده الاخر بأنه ملكا له وحده ولايحق لاخر بالتطاول عليه، مادام لايحمل نفس انتمائه الاثني”فجأة يتحول سعيد الزميل والانسان الى اليهودي … لا تتموضع الهوية هنا خارج الكراهيّة.ص142″. لكن هناك رهاناً ولو بقدر ظئيل من قبل الأب على أن المستقبل سيكون رهن بالتسامح والعودة الى الجذور الحقيقية لحالة التعايش السلمي التي ميّزت العلاقة بين العراقي المسلم واليهودي لأكثر من 2500 عام، وذلك ما يدعو الأب لأن يطلب من ولده بالتشبث بهذه الأرض والعودة اليها حتى لو اضطرته الظروف الى مغادرة العراق”عندما أموت … وتكمل دراستك … غادر العراق … تزوّج … لتكن لك عائلة … يوماً ما سيفيق العالم من تراث الحقد والكراهية.ص148″. ما يعانيه سعيد خضوري من مأساة هويته اليهودية ينعكس في الجانب الاخر على علاقته بغادة وما تعنيه هذه الهوية بالنسبة لها ولأسرتها، بعد ان اتفقا على الزواج، فهيّ أيضاً لا تستطيع بعقلها الواعي أن تتجاوز هذه الإشكالية التي كانت بعيدة أو مغيّبة في عقلها الباطن، فشتان ما بين سعيد خضوري الانسان واليهودي، مهما كانت حميمية العلاقة التي تربطها معه، وما ينتظرهما من مشروع مستقبلي للاقتران مع بعض” تذهل عن سياق تفكيرها لبرهة وتلاحظ كيف يستحيل سعيد الانسان بكل ما يمثله الى فتى يهودي فقط … هكذا تشطب الهوية على كل روابطك الانية وتثبت هيّ فقط على العرش المتهاوي … الهوية فقط متوّجة في الاخر … في لحظة الحقيقة.ص161″.في المقابل فان سعيد خضوري يجد انعتاقه من قيود هويته التي تهدده وتحاصره اينما يكون في نجاح علاقته مع غادة وارتباطه معها بطريقة مباشرة ورسمية والبدء بحياة اجتماعية جديدة خصوصا بعد رحيل والده، حتى لو كلفه ذلك التخلي عن هويته اليهودية، فليس أمامه من حلول ترسخ ارتباطه بتربة العراق غير أن تمتد جذوره من جديد بهذه الأرض لتكون له موطأ قدم حين يقرر العودة من جديد اليها،”يا أبي … أنت تعلم أنني سجنت في مخاوفي كثيراً … وآن الاوان أن أتحرر … لاتحسب أنني شطبت تاريخي … أنا اليوم أقرب الى جذوري من أي وقت مضى … أنا سعيد يا أبي … سعيدُ بالفعل.ص168″. لكن في النهاية لن تشفع النوايا الحسنة وصدق الانتماء لهذا الوطن، لسعيد خضوري بأن يحقق ماكان قد قطعه من وعد لأبيه من العودة لوطنه العراق بعد سنوات من الاغتراب للدراسة والعمل في بريطانيا وبعد ان توّج زواجه بغادة بولده البكرأديم، فليست هناك من مديات مفتوحة الى ما لا نهاية بالنسبة لإشكالية الهوية والانتماء، لقد أوهمته حدود مساحة فكره الضيقة أنه بالامكان الانطلاق الى ما هو أبعد، حين يقرر العودة للوطن ضد ارادة زوجته غادة ليقع في مصيدة التنظيمات التكفيرية التي تجد فيه ظالتها لمرتين، كونه يهودياً مرة، ويحمل الجنسية البريطانية مرة أخرى، ليدفع حياة زوجته وولده ومستقبله هو ثمن ذلك الاعتقاد الخاطئ والانتماء الشائك والملتبس.

مع سعيد جرجيس المسيحي تبدو الرحلة أقصر والمعاناة أقل من سعيد خضوري اليهودي لكنها أكثر من سعيد كاظم المسلم، فسعيد جرجيس المسيحي حتى وقت دخول القوات الامريكية للعراق كان يعيش حياة شبه مطمئنة هادئة، لكن بعد ذلك تتغيّر حياته بشكل سريع ودراماتيكي، حين تحوّل انتماؤه الديني الى معضلة تعوق تواصله مع الاخرين في حياته اليومية والعملية، مع تسيّد الأحزاب الدينية للمشهد العراقي، “بدأ سعيد يلاحظ أنّ أي عداء شخصي أو حتى المنافسة المشروعة تتحول في لحظة الى خلافٍ بصبغة دينية … وصار يسمع من بعض منافسيه في العمل اسم النصراني.ص205”. وهذا لن يكون بالمستغرب على العقلية العلمية التي يحملها سعيد جرجيس، فهناك دائماً الجذور التاريخية، لأي فكرة وان بدت في شكلها الظاهر طارئة، كما هو الحال مع”الارهاب الديني”، فدائما هناك المسوغات التي تكون جاهزة حين ظهورها مستغلة الفرص لذلك الظهور، وحتما ستجد لها المريدين والمؤيدين والمعتنقين لها، ولو على حساب التاريخ المشترك ورابطة الدم، وهذا ما يحدث لسعيد جرجيس وهو ينتظر على الرصيف، نهاية المجزرة التي ارتكبها الارهاب الديني الأعمى والذي راح ضحيته أهله وخطيبته روزا، “أي قبح سيشعر بالتخمة وهو يطالع كل هذا الانين … لكن لابأس خذوا ما تشاؤون … تناولوا طبق الموت هذا … وان أعجبكم … اسألوا عن الوصفة … تجدوها في الكتب القديمة … هناك حيث يبتسم القاتل … إذ يعشعش في أذهانكم.ص216”.

حرص الروائي ميثم الحلو في روايته على تقاسم أبطاله مجموعة من القواسم المشتركة /لقب العراقي/ الحرب العراقية- الايرانية/ غزو الكويت/ الاحتلال الامريكي للعراق/ مغادرة العراق بشكل نهائي عبر الاردن ومن محطة واحدة/ الكوابيس. وربما كانت الكوابيس هيّ الثيمة الأكبر الجامعة لتلك الذوات المستلبة في كينونتها ووجودها، وهيّ تجتمع جميعاً في ما منحه اياها الكاتب من أدوات سينوغرافية مجتزئة بحرفية من حيثيات وتراث الواقع العراقي، ففي كابوس سعيد كاظم المسلم هناك/ الانقاض/ مدينة تئن/ خراب في كل مكان/ أصوات أطفال/ سعف نخيل. وفي كابوس سعيد خضوري اليهودي نلاحظ نفس تلك الأدوات أو مقاربة لها/انهيار/ينهار البيت/ أنين الضحايا/آهاتهم وعويلهم/وخز سياج الشوك/ليل طويل.لتكتمل صور الكوابيس عند سعيد جرجيس المسيحي/ ليل باهت/ خواء مجرد/ يخطو ببطء للاعلى.وكلها أدوات لكوابيس لن تنتجها إلا نفوس مضطربة، مطوقة بالرعب والخوف مما يخبئه لها المستقبل.

في النهاية يحاول الروائي ميثم الحلو أن يبث بعض من الأمل في نصه السردي خلافاً لكل نهاياته المأساوية من خلال ما يعتقده كمفكر وليس كروائي: “أن يمزق العراقي جلده التاريخي ويتشظى – أن يأخذ نفساً عميقاً – تتوقف المطالبات بالحقوق القومية والطائفية والعشائرية – يتناسى الجميع أرث الظلام وتبدأ لحظة النور – تتوقف الانهيارات ويبدأ الجميع بالرصف في لحظة واحدة – تزول الخرائب وينبثق وطن من كابوس سعيد.ص226- 227.

في رواية”السعيد في كابوسه الاقصى” حاول الروائي والمفكر ميثم الحلو أن يقدم لنا نصاً سردياً مطعماً بنكهة آيدلوجية، سعت جاهدة لترسيخ صورة متناشزة لإشكالات الهوية والمواطنة والانتماء التي عانى منها العراقيون طويلاً، ولا يسعنا إلا أن نشيد بجهده الوطني المثابر كروائي ومفكر.