إستنطاق أوسع للبنى السردية- نصوص – عقيل هاشم

الفاعلية الذهنية في هياكل خط الزوال

إستنطاق أوسع للبنى السردية- نصوص – عقيل هاشم

تمهيد ..(الغالبية التي ندعوها “تاويلاً” انطلاقاً من مجال محدد من مجالات تفعيلها، وبوصفه طاقةً ذهنيةً مجردة، هو فعالية انسانية ملازمة لكل نشاطات الإنسان. وأنه المسؤول عن كل الدلالة المؤولة لكل الدلالة المؤولة الحاضرة وفق صفة ما في كل اشكال الوعي. كما يستنبط ذلك من فلسفة بورس الذريعية أنه يشكل التجسيد الشكلي لمضمون الفهم في كل عملية تواصل.. يبرهن على صعوبة جعل التاويل (مجردًا) بوصفه موضوعًا مجردًا يفرض استحضار الفكر الفلسفي برمته. بل إنه حتى لو أفترض وجود ذهن مثالي يستطيع تحيين ذلك، فلن يكون كافيًا، لأن الفكر الفلسفي نفسه ليس إلا نتاج تأويل..)

الممارسة السردية :

   حاول الكاتب مهدي علي إزبين استنطاق المتسع من البنى السردية للنص المحكي وتمييزه بخلق ما يسمى (الأنموذج) المختلف نتيجة صراع الدوافع الاجتماعية والمادية المصاحبة لعصر العولمة والتي تقف وراء ظهوره هذا النوع من هذا التكنيك السردي ويكون هذا الأنموذج عادة هو الوحيد الذي يرى العالم من بؤرته، كما أنه هو أيضًا المروي عليه وعنه معًا في العمل على وجه العموم؛ ذلك أن السارد شكل ببالغ المرونة كينونة هذا الغريب المختلف والمختلق الخاصة بـ”الشكل النموذجي”، هو أيضاً الشكل الأكثر لصوقًا بأشكال السرد المحايثة، والتي نعثر على حالات شديدة الخصوصية في الحياة اليومية مما يمكن أن نطلق عليه المتخيل النقيض، يتأسس على انتاج غيرية مضادة للقوالب التصويرية للسرد المتعارف عليه والذي يشكل خطابًا سرديًّا نقيضًا للنزعة أحادية الصوت ذات مستويين (ثقافي/ اجتماعي)؛ تتموضع فيهما الذات في مواجهة هيمنة مزدوجة (الأنا/ الآخر) لكن الصورة الممثلة في النهاية لا تكاد تفارق نطاق المخيلة؛ حيث تقدم تمثيلاً إنسانيًا أكثر عمقًا في كشف تناقضات الوعي والسلوك اتجاه الآخر من خلال تعرية اختلال الرؤية الملازمة لهما. (أنهض من تلك الحفرة السوداء، أنفض جسمي من دقائق الغبار والهموم التي تعلق بي. أهزّ رأسي. أشحذ همّتي. أضرب الأرض مثيرًا غبارًا خلفي.. أطلّ براسي، تطلّ بيوت المدينة من بعد تفصلني عنها مركبات مجنزرة في مقدمتها مواسير ضخمة.. أسير بهدوء وخطمي في الأرض ألتقط أثرهما.. أتابع سيرهما..)ص25

البنى المفترضة:

تتمثل البنى المفترضة بين الذوات الانسانية إشكالية سردية لنصّ قد بنى معماريته على عوالم ذوات حيوانية تتحاور بمستويات مكثفة ففي نصّ كتب عن الخراب والدمار والانفجارات.. ثيمة مثالية لمجاوزة الضرورة في استجلاب مهارات اللغة ومقومات الايهام، ومكونات التمويه والتلاعب التصويري والذي يطغى جدلية العلاقة بين الذاتي والآخر؛ بحيث تضحي مزج (الواقعي/ الغرائبي) بأسلوب السرد الحجاجي، فالعلاقة بين الأنا والآخر وصراع سمات تجليه صراعات سرعان ما تنتهي بانتهاء أحدهما، سمة مهيمنة على السرد المنتج الأمر الذي جعل ماهية الآخر بما هو قيمة وجود إنساني محايثًا لقيم الرمزية المضافة، شيئًا هامشيًا، يكتسحه الالتباس بين الصورتين، وعليه فإن السرد النافذ عبر حوارية (للمتخيل النقيض)، في أفق تفكيك الوعي الزائف الذي شيدته الحضارة المادية والصراعات الدولية كمخططات وإسقاطهاعلى واقعنا المعيش بشكل فجّ قد أتاح فضاءً من العبثية كما كانت كتابات (كافكا وكامو وآخرون من كتاب فلسفة العبث)… يقول السارد على لسان الشخصية الرئيسة: (يوقظني انفجار ضوء يتدلى من السماء. يتطاير منه شرر، ينزل ببطء ثم يخفت؛ فينطلق آخر هنا وغيره هناك. أرتعب، أتثاءب خوفًا وجوعًا. الظلام يلفّ كل شيء وبيوت المدينة تتراقص أمام المشاعل المتطايرة…) ص31

تستدعي هذه الصورة بقوة نموذجًا ينبعث من الخلفية ذاتها التي تجسر الهوة بين الوظيفة القمعية وإيحاءاتها الرمزية. تذكرنا صورة تخيلية في مبرراتها ووظائفها ومقاصدها الجمالية، ذلك أن الهدف لم يعد مجرد الحفاظ على حد أدنى من المصداقية الصورية للسرد، برسم النموذج وسهل الإخضاع لمرامي السارد في الصورة المنتقاة، إذ القاعدة التمثيلية تتشكل انطلاقًا من متخيل نقيض، ضدي، يسعى إلى تصحيح صورة الآخر المقولبة.. (.. أهزّ ذيلي وعيناي منتصبتان.. أعدو بثقة مستهدفًا الأصوات النابحة.. أصلهم؛ أجدهم مستعدين للمواجهة. أكشر عن أنيابي.. فيتعرف عليّ بعضهم، يقتربون، يدورون، يزمجرون.. أزمجر.. يشمونني..) ص63

القراءة المحايثة..

تنهض الأهمية التي يكتسبها فعل القراءة على جوهر الخصوصية التي يتمتع به النص باعتباره فضاءً من الايحاءات والترميزات وكيانًا من المسكوت عنه. ههنا تأخذ القراءة شكلها الجوهري بما عليه من إيحاء ودلالات ذاتية. إن تحقيق النص وتحيينه عبر فعل القراءة يدل على أن النص لا يحمل في ذاته دلالة جاهزة وثابتة ونهائية، بل يكتسب دلالة جديدة لدى كل قراءة جديدة. فبالقراءة يتشكل معنى النص في تجدده الدائم المستمر واللا نهائي، مما يجعله النص وبوساطة الإمكانيات التاويلية المتعددة التي تنتجها القراءة تاريخًا من التحول والاستمرار والبقاء.

فتتخايل إلى ذهن المتلقي صورة رمزية وغير بعيد عن رهانات الخطاب السردي في ارجاع نسق إكساب تلك العلاقة مغزى بالغ التعقيد يتغلغل فيه البناء التخيلي داخل زوايا معتمة من الأحاسيس والسلوكيات السرية، بحيث يكاد يتحول التعرف عليها إلى نموذج للكشف الخيالي ولعل أوضح مثال على هذا الضرب تلك المضمنة في نص يتحول التحفز الغريزي لقمع الرغبة الجسدية إلى لعبة تتهاوى أقنعتها الواحدة تلو الأخرى في فضاء متنوع إلى وازع لتدميره وتعميق الفجوة النفسية مع كيانه بجدلية اللذة والألم، الحب والعنف، السكينة والصخب.. (يصمت الرجل و كأنه يترك واحدًا متعمدًا، والقاضي مأخوذ بما يسمع. لم يبقِ هذا الكلب من الموظفين إلا القاضي؛ فيهمس القاضي في أذن الرجل.. أ لم يوصِ المرحوم بشيء آخر؟ فيضحك الحاضرون.. كيف يتحول الكلب المذموم إلى شخص مرحوم؟…)ص87   هذا الاغتراب الجسدي والوجداني والذي عرض السارد العليم بطله (الكلب) بتعرضه لتجارب قاسية في تعامله مع النماذج الأخرى والتي تبتدئ بإهدار سياقات التخاطب، عبر تركيب مجازي يؤلف بين الاحساس الذاتي للشخصية وبين التشظي الكياني وتشوه المحيط الخارجي. إن الفعل الحياتي وكثافته والغياب الإنساني، وبمفردات ومجازات الوصف التفصيلي والرمزية والتي ما شرع السارد في تخييله يبثها بعلامات حسية وذهنية سيتفاقم مع شدة الحبك السردي للنص ليجتاح امتدادات الفضاء الحاضن للحقيقة المتنازع عليها بشفافية وبعذوبة جارحة، تلك كانت أبرز ملامح النموذج التخيلي الذي عمل السارد على تشكيله، بصدد اوهام المتلقي..(ألا تراه؟ إنه يحتضر. إن صورته المشوشة وهو يحتضر تنطبق عليّ وأنا أتداعى. أتلاشى. أحتضر. لا أحد يودعني.. أتمنى أن يودعني أحبابي في مزق أحلامي كي أحسبها تحدث في الواقع. لا فرق عندي بين الحلم وما أعتقد أنه حقيقة..) ص108

و أخيرًا أقول: إن هذا الرهان الذي يبدو مرتكزًا بين صراع الأنموذج وزجّه في تجارب حياتية من المواقف والفكار المتضاربة والتي تنحى فلسفيًا في تحريك أشيائه، إنما يمثل العلة التي تجلت على أساسها هذه الرواية على نحو، وما تجلت عليه من اتقان في استلهام سمات جمالية جديدة، تسعف في تكوين صيغ بارعة لعلاقات التقابل السردي المكثف..!!

…………………

{ رواية (هياكل خط الزوال) للروائي مهدي علي ازبين، عن دار الشؤون الثقافية العامة2009 .