إستدارات تركية.. تمديد للأزمات – جاسم مراد
بعد الاتفاقات الروسية التركية ، والتركية الايرانية ، في الاستانا وما سبقها ، كانت المؤشرات توحي بان الازمة السورية التي جزء من واجهتها تركيا في طريقها للحل، وان تدفق الارهاب عبر الاراضي التركية الى سوريا سيتوقف ، ، ولاسيما إن بعض المجموعات المسلحة التي وافقت على وقف اطلاق النار بتأثير تركي وارغام روسي ، قد اعلنت رغبتها في المشاركة بمؤتمر استانا والقبول بالحلول بدلا من السلاح .
بعد هذا التطور استدارت تركيا بزعامة الرئيس اردوغان مرة اخرى نحو وجهة الجبهة الارهابية والتصعيد المسلح في الاراضي السورية والاختلاف مع ايران ، بدواعي الطائفية ، التي لم يتم فهمها سوى إن حزب العدالة والتنمية الذي هو جزء اساسي من جبهة الاخوان المسلمين العالمية يتمتع بقدرة عالية على الاستداره لاعقا الاتفاقات التي جرت قبل يوم واحد من التوقيع عليها ، وهذا الامر هو شأن سياسات الاخوان المسلمين في اكثر من مكان .
مجريات الاحداث السورية ، والوضع العسكري الذي تقوده موسكو ضد الارهاب ، وتطور المعارك لمصلحة الجيش العربي السوري وحلفائه ، لم يعط مجالا لتركيا أن تستدير استدارة كاملة عن روسيا وايران مشروعي محاربة الارهاب ووضع حلول سياسية عبر التفاوض للازمة السورية .
لعل اجتماعات جنيف التي ابتعدت عنها تركيا ، تعبر بشكل واضح بان الحليفين الروسي والايراني قادران على المضي بعدد من موضوعات الحلول حتى لوتركيا ابتعدت قليلا عنها ، لأن الجانب العسكري الروسي الذي فرض هيمنته في الساحة السورية والشرق اوسطية ودعمه الفاعل للجيش السوري وحلفائه ، وقدرته على تعميق التواصل مع قوات سوريا الديمقراطية ، وهذه القوات الكردية وحدها لقادرة على إثارة غيض الاتراك .
لقد كشفت معارك المنبج التي خسرت فيها تركيا عشرات الجنود وعدد كبير من الاليات ، لم يكن بامكان تركيا الدخول اليها بالفترة الزمنية التي دخلت فيها لولا الدعم الجوي الروسي الكثيف ، فالطيران الروسي كان له الاثر البالغ في تدمير مواقع داعش وتسهيل مهمة الجيش التركي في الدخول الى المنبج .
وبما إن تركيا راهنت على الرئيس الامريكي الجديد وعلى الدعم الخليجي وضغط انظمتها بالتعكز على فكرة الطائفية للاختلاف مع ايران في الوضعين السوري والعراقي بالاضافة الى طموع السيد اردوغان في التسيد على المنطقة بغية عودة الاحلام العثمانية القديمة ، إلا إن تطور الاحداث السورية في الميدان وبروز التحالف الروسي السوري في اعلى صوره بالمنطقة وقدرة حلفاء سوريا على المضي في المعارك الى نهاياتها المكللة بالنجاح ودخول جبهة قوات سوريا الديمقراطية كقوة وازنة للاتراك ، كل ذلك جعل من النظام التركي أن يعيد حساباته .
وقد كان مؤتمر باكستان فرصة للرئيس التركي أن يصفي بعضاً من خلافاته مع الرئيس الايراني ، وسيعود حتما من إستدارته ، لانه لامناص من العلاقة مع روسيا ، وليس من السهل الخراب مع ايران كقوة جامحة صاعدة في منطقة الشرق الاوسط وتتمتع بذكاء سياسي وعلاقات رصينة في المنطقة .
كما قلنا في مقالات سابقة إن روسيا الاتحادية هي المستهدف الاول من الارهاب بعد سوريا والعراق ، وان التخطيط الاستخباراتي والسياسي العالمي يستهدف روسيا اساسا عبر دول البلقان ، وإلا ماذا يعني أن تعلم داعش في العراق انصارها ومقاتليها اللغة الروسية بدلا من الانكليزية وهي اللغة العالمية الشاتعة ، اليس ذلك فنا مخابراتيا للدخول للاراضي الاتحادية الروسية ، من ذلك وغيره من المؤشرات السياسية الغربية وفي المنطقة فان الروس يدركون وهم ماضون في القضاء على بؤر الارهاب في سوريا والمشاركة مع العراق امنيا ولوجستيا ، وهم صادقون وجادون في ذلك يدركه اردوغان وبعض الدول العربية المشغلة للارهاب .
إذن استدارات الرئيس التركي مهما غلفها بمسميات متعددة ، لم تعد تنفع ، وان الحل الوحيد له وللاطراف المسلحة المشغلة من قبل المخابرات التركية هو المضي مع المشروع الروسي القاضي بحلحلة الاوضاع واللجوء للحلول التفاوضية عبر عزل الارهاب ، وهذا مايحصل فعلا ، لذلك لم تعد ذات نفع تلك الاستدارات .



















