نبض القلم
إبن يقطين هذا الزمان – مقالات – طالب سعدون
عالم قدير ، وتلميذ مجد مجتهد ، وشخصية مرموقة ، ووزير ذو نفوذ وتأثير ، ومال وفير ، وجاه وسلطان قوي .. يستظل بفيئه المحتاج والفقير والمظلوم ، وصاحب الحق ، آثر غيره على نفسه ، وأعطى كل ( متاعه ) ، وما بحوزته من مال يكفيه لرحلة الحج الى إمرإة فقيرة تتكفل أيتاما ، ، وأجل الذهاب الى الحج الى وقت أخر ..
ذلك هو علي إبن يقطين الوزير في عهد الخليفة العباسي هارون الرشيد ، ومما عرف عنه ، أنه كان خارجا الى الحج بعد أن علم أن إستاذه الامام جعفر الصادق ( ع ) قد سبقه الى الحج ، فقرر أن يلحق به ، وعندما وصل الى (ظاهر بغداد ) وجد إمراة ذات اطفال أيتام تفتش عن طعامهم بين القمامة ، فوقع بين خيارين ، كلاهما لله فيما يختار، وليس فيما إختاره من موقف خسارة في شيء ، سواء في دينه ، أو ما يندم عليه في دنياه ، وإختار موقفا خلده ، وضرب به المثل في معنى الانسانية ، عندما أعطى تلك السيدة ما معه من زاد وطعام ودراهم وقفل راجعا الى بيته..
وكان ثوابه أن فاز بالموقفين معا .. الموقف الانساني عندما أغاث تلك المراة الفقيرة ، وثواب أداء الحج وبتميز. .. فبعد أن انتهى موسم الحج وعاد الحجيج زاره رفاقه من الحجاج في بيته ، فقال لهم أنه لم يذهب الى الحج معهم هذا العام ، فقالوا كيف لم تذهب ، وأنت كنت معنا في الطواف حول الكعبة والسعي بين الصفا والمروة ، وأقمت معنا في جبل عرفات ، فدهش هو وهم أيضا ، وهذا ما أكد الامام جعفر الصادق ( ع ) للناس الذين زاروه بعد عودته للتهنئة في حديثه المعروف ( ….. ما حججت إلا أنا وناقتي وعلي إبن يقطين ..) …
إن إبن يقطين يعرف أن الحج بشروطه مرة واحدة في العمر تكفي ، وربما يكتب الله له العمر ليؤدي هذه الفريضة في وقت أخر ، ولكن تلك المرأة وضعته أمام موقف كبير قد لا يتكرر ، وأمام مسؤوليته الانسانية ، والاخلاقية ، وإتخذ ما رأى أنه يناسب موقعه الاجتماعي والسياسي والاداري والقيادي والديني والانساني ، كونه وزيرا وعالما وشخصية معروفة ، وقبل ذلك كله هو إنسان ، ويحاسب على قدر مستواه ومسؤوليته ..
هذه القصة المؤثرة المعروفة كثيرا ما يتداولها الناس في مواسم الحج مقابل حالات يننتقدونها ، تتردد عن ( تكالب ) البعض على الحج كل عام ، بتصور (واهم ) أن ( الحاج ) يعود من الحج كما ولدته أمه خاليا من الذنوب ، وكأن ذلك بدون شرط !! ، متناسيا الشرط وهو ، أن لا يعود للذنوب مرة اخرى ، كما ( لا يكفر الحج ما بذمة الحاج من حقوق للاخرين ) ..
مرة واحدة تكفي لأن يغسل المؤمن قلبه ويده وعينه ولسانه وإذنه وكل جوارحه مما ارتكبته من أخطاء وخطايا ..
فأين بعض المسؤولين والسياسيين ، من موقف علي ابن يقطين ، عندما يتصرف خلافه ، كأن يذهب الى الحج مرات ، دون أن تكفيه مرة واحدة ، بحجة توفر شرط ( الاستطاعة ) ، وكأن الحج أصبح عند هؤلاء ( عادة وليس عبادة ) على حد تعبير أحد الكتاب ، رغم أنهم يعلمون أن هناك فقراء ومتعففين ، لا يجدون قوت يومهم ، وهناك من يفتش بين القمامة عن طعامه ، كحال تلك السيدة التي اعطاها علي إبن يقطين ، دراهمه وما يحمله من مؤونة تكفيه لرحلة الحج ، وهناك من يسكن في العراء ، يفترش الارض ، ويلتحف السماء ، وهناك من يفتقر الى ابسط مستلزمات الحياة الانسانية ..
صحيح أن شرط ( الاستطاعة ) متوفر عند جميع المسؤولين والسياسيين والقادرين من غيرهم ، وبإمكانهم الذهاب الى الحج كل عام ، بحكم ( القدرة المالية والبدنية ) والنفوذ ، ولكن هل تطمئن قلوبهم الى أن حجهم سيكون مقبولا ، وسعيهم مشكورا ، إذا كانت بلادهم تعيش – وهم مسؤولون عنها شرعا وقانونا – في ظروف غير طبيعية ، وخطيرة ، يتهددها الارهاب والموت بسببه ، وينهش بها الفساد وأمراضه ، وتمر بوضع اقتصادي صعب إضطرها الى الاقتراض من البنوك ، وإرتفاع خط الفقر الذي وصل الى مستوى خطير ، وبطالة عالية وخاصة بين الشباب ، مما إضطرتهم الى (هجرة الموت ) التي شاعت مؤخرا ، وأخذت حصتها من الموت ، كما يعاني من نقص كبير في مستوى ما يقدم من خدمات بمختلف أنواعها ، ، وما الى ذلك من مشاكل وازمات يعرفها المسؤولون جيدا .. ؟
فهل نسمع ، ويكتب التاريخ عن إبن يقطين هذا الزمان .. ؟..
نتمنى …
{{{{{{
كلام مفيد :
ألقى أحد الحكماء مزحة فضحك الكل ، ثم أعاد المزحة فلم يضحك أحد فقال : إذا توقفتم عن الضحك على نفس المزحة ، فلماذا تســتمرون بالحزن على نفـــس الالم ..؟!..

















