إبادة جماعية

إبادة جماعية

نصحني جاري ابو عبد الله: لاتخشوا منها …لاتقتلوها، أصبحتْ أليفةً عندكم كما القطة الأليفة ، دعوها تعيش في حديقة داركم ، هي حيَّةُ بيت لاتؤذي أحدا ًمن أسرتكم …ذعنتُ لقوله . بدأت اشاهدها كل أيّام الصّيف ، صفراء فاقع لونها ، مرة سائبةً زاحفةً على أرض الحديقة الصغيرة،ومرة متكورةً ،ملفوفةً على نفسها ، وكأنها تتمتع بحمام شمسي ، ومرة ًتتسلق ساقَ شجرة ٍلتقتنصَ بعض َعصافيرها الآمنة، او تبحث في أعشاشها عن صغارها. لم نعبه بوجودها ، أنها ضيفتنا في دارنا ، ساكنة حديقتنا الصغيرة …في مستهل هذا الصّيف ، كانت ضيفتُنا الحيّةُ قد أضافتْ عدداً من الأصلال الصغار لوجودها عندنا، لايقلّون عنها مهارةً في اصطياد فرائسهم من الفئران والفراخ الصغيرة . المشكلة الوحيدة التي واجهتها العائلة ؛أنها حُرِمتْ من متعة الجلوس في حديقة المنزل ، خشية من وجود ضيفتنا الحيّة وأصلالها،رغم انني أصبحتُ مع مرور الوقت مقتنعاً تماماً، أنها لاتقدم على أذى أحد ٍمن أفراد العائلة .

أنتصف الصّيفُ ،واشتاق الجميعُ الى متعة الجلوس بين أشجار الحديقة…في صباح يوم عطلة ،انتعلت حذائي الطويل على سبيل الحيطة من لدغة في الرجل ، ورحتُ أشذّب الأغصان اليابسة ،واقصّ ما طال من ثيل الحديقة. لم ارَ أثرا لحيّة دارنا،مما زاد في اطمئنان أفراد العائلة.وشوقهم لقضاء أمسية جميلة بين أشجارها . كانت مائدة العشاء عامرة بكل ما اشتهينا تناوله في مساء ذلك اليوم جلوسا ًفي حديقتنا التي اشتقنا كثيرا للجلوس على أرضها نفترش ثيّلها الكثيف…أكلنا وشربنا جميعا بشهية مضافة.لعب طفلاي الكبيران ،لعبة الغميضة دون خشية من طارئ، بينما تركنا طفلنا الصغير يلهو زاحفاً بقربنا.

انتصف الليلُ ، نام الصغير ُجنب أمّه المنشغلةِ بتمتعها بتكسير حبات عبّاد الشمس، وبالحديث معي عن أحلام ومشاريع لاتنتهي . مع مرور الوقت ، بدأنا نشعر بحاجتنا الى المغادرة الى أفرشة منامنا…لففت طفلي الصغيرببعض لفائفه لنغادر حديقتنا الى الداخل . لكن…..فجأة سمعنا جلبةً وصراخا ًصادرا ًمن بيت جارنا أبي عبد الله . تركتُ الصغير َفي مهده وخرجتُ مسرعاً الى دار جاري لأرى ما حدث او لأمدّ لهم يد المساعدة أن استدعى الأمر ذلك .

– خير ان شاء الله ابا عبدلله، مالذي حدث عندكم ؟؟

قلت هذا وأنا أرى جاريَ وزوجتَه وباقيَ اطفاله في حالة من الارتباك والفوضى..صراخ طفلته الصغيرة يشقُّ سكونَ الليل والزوجة تولولُ وتضرب خديها،وابو عبد الله يلفّ ويدور حول نفسه ، علمت بعد ذلك أنه يبحث عن مفاتيح سيارته … أعدتٌ سؤالي عليهم ،سمعته يقول مرتبكا:

الحيّةُ ….يبدو أنها عبرتْ سياجَكم ولدغتْ الصغيرةَ في ساقِها….أرجوكَ ساعدني لنسرع بالذهاب بها الى المستشفى…

جلبتُ سيارتي ونقلنا الطفلةَ الصغيرة َبسرعةٍ … لمْ يهدأ بالُ أبي عبدالله ولا زوجته الاّ بعد أن طمأنهم الطبيبُ الخافر.

***

عندما عدنا ضحى اليوم التالي بالطفلة الصغيرة وقد لُفّ ساقُها ،قلتُ مازحاً لأبي عبد الله الذي جلس الى جانبي وزوجتُه تحتضن طفلتَها خلفنا : الحمدُ لله ضيفتُنا الحيّةُ غير سامةٍ ، ولكنها آذت أحدَ أفراد العائلة، كيف نصحتني أن اطمئن ؟….. هه هه هي حيّة ُبيت لاتؤذي حالها حال القطة الأليفة يا جاري العزيز …. كيف…؟

ابتسم بألم ٍ وتعبٍ واضحين … قال:

– حال الدنيا تغيّر يا ابن عمّي…حتى طباع الحيوان تغيّرتْ مع الأسف…

***

شهد عصر ُذلك اليوم حملةً شعواء َشنّها بعضُ شبابِ الحيّ ملبّين طلبَنا بالبحث الدقيق واجراء حملةِ إبادةٍ جماعية ٍلكلِّ زاحفٍ في حديقتينا ،أنا ،وجاري العزيز أبو عبد الله…

مجيد الزبيدي – بغداد